كان أول القائمين رجل كان يلبس ثيابا بسيطة بالية،
وقد علمت بعد ذلك أن اسمه (ذو البجادين)([237])، قام وقال: لقد تحدثت أنت وصاحبك
كما يحلو لكما، والآن ائذنوا لنا أن نتحدث..
[237] أشير به إلى (عبد الله ذي
البجادين)، قدم على النبي (ص)، وكان اسمه عبد العزى فسماه رسول الله (ص) عبد الله،
ولقبه:(ذو البجادين)، لأنه لما أسلم عند قومه جردوه من كل ما عليه وألبسوه بجادا -
وهو الكساء الغليظ الجافي - فهرب منهم إلى رسول الله (ص) فلما كان قريبا منه شق
بجاده باثنين، فاتزر بأحدهما، وارتدى بالآخر، ثم أتى رسول الله (ص)، فقيل له: ذو
البجادين. وقيل: إن أمه أعطته بجادا فقطعته قطعتين فأتى فيهما رسول الله (ص).
صحب رسول الله (ص)، وأقام معه،
وكان أواها فاضلا كثيرا لتلاوة القرآن العزيز..
حدث محمد بن
إبراهيم بن الحارث التيمي قال: كان عبد الله - رجل من مزينة ذو البجادين - يتيما
في حجر عمه، فكان يعطيه وكان محسنا إليه، فبلغ عمه أنه قد تابع دين محمد، فقال له:
لئن فعلت وتابعت دين محمد لأنزعن منك كل شيء أعطيتك، قال: فإني مسلم. فنزع منه كل
شيء أعطاه حتى جرده من ثوبه، فأتى أمه فقطعت بجادا لها باثنين فاتزر نصفا وارتدى
نصفا، ثم أصبح، فصلى مع رسول الله (ص) الصبح فلما صلى رسول الله (ص) تصفح الناس
ينظر من أتاه وكان يفعل ذلك، فرآه رسول الله (ص)، فقال: (من أنت؟)، قال: أنا عبد
العزى، فقال: (أنت عبد الله ذو البجادين فالزم بابي)، فلزم باب رسول الله (ص)، وكان يرفع
صوته بالقرآن والتسبيح والتكبير، فقال عمر: يا رسول الله أمراء هو؟ قال: (دعه عنك
فإنه أحد الأواهين)
وقد توفي في
حياة رسول الله (ص).. فعن عبد الله بن مسعود قال: لكأني أرى رسول الله (ص) في غزوة تبوك
وهو في قبر عبد الله ذي البجادين وأبو بكر وعمر يدليانه ورسول الله (ص) يقول: أدنيا
مني أخاكما، فأخذه من قبل القبلة حتى اسنده في لحده، ثم خرج رسول الله (ص)، ووليا هما
العمل، فلما فرغا من دفنه استقبل القبلة رافعا يديه يقول: (اللهم إني أمسيت عنه
راضيا فارض عنه) قال: يقول ابن مسعود: (فوالله لوددت أني مكانه ولقد أسلمت قبله
بخمس عشرة سنة) (انظر: أسد الغابة، وغيره)