لقد
كنت – بجهلي – أتصور أن حياة الابن ملك للأب.. وأنه وحده الذي يحق
له أن يرسم له منهج حياته..
ولقد كنت – بجهلي – لا أقرأ إلا النصوص التي تحث الأبناء على رعاية
آبائهم.. دون أن أهتم أو ألقي بالا إلى النصوص التي تحث الآباء على رعاية أبنائهم
وبرهم والإحسان إليهم.
لكني.. وفي فترة غيابي عنكم قيض الله لي رجلا صالحا..
لقد كان من ورثة النبوة.. وكان اسمه (ابن عوسجة)([96]).. وكان مما حدثني به قوله (ص):(رحم الله والدا أعان ولده على بره)([97])
وحدثني أن رجلا سأل النبي (ص)، فقال: يا رسول الله من أبر؟ فقال: (بر والديك)،
فقال: ليس لي والدان، فقال:(بر ولدك كما أن لوالديك عليك حقا كذلك لولدك عليك حق)([98])
[96] أشير به إلى
(مسلم بن عوسجة)، وهو أول شهيد من أنصار الحسين بعد الحملة الأولى، كان شيخاً كبير
السن، وكان صحابياً ممن رأى رسول الله (ص) وروى عنه، وكان رجلاً شجاعاً
وجريئاً شارك في الكثير من حروب المسلمين، وشهد مع علي كلّ غزواته.
كان في الكوفة
يأخذ البيعة للحسين، وقد جعله مسلم بن عقيل حين ثار بالكوفة على رأس طائفة من مذحج
واسد.. وفي ليلة عاشوراء لما أوعز الإمام الحسين أن يتخذوا ظلام الليل جملاً
وينصرفوا وقف مسلم بن عوسجة موقفاً جريئاً وقام متكلّماً وقال: (والله لو علمت أني
أقتل ثم أُحيي ثم أحرق ثم أُذرى، يُفعل بي ذلك سبعين مرّة ما تركتك فكيف وإنما هي
قتلة واحدة ثم الكرامة إلى الأبد)
وعند القتال لم
يتجرّأ أحد من الأعداء على مبارزته، فرضخوه بالحجارة ولما سقط على الأرض وكان به
رمق مشى إليه الحسين وحبيب بن مظاهر، فدعا له الحسين وبشّره بالجنّة.. ولما اقترب
منه حبيب بن مظاهر قال له مسلم: (أوصيك بهذا- وأشار إلى الحسين- فقاتل دونه حتّى
تموت) (انظر: موسوعة الغدير)
[98] رواه أبو عمر
النوقاتي في كتاب معاشرة الأهلين من حديث عثمان بن عفان دون قوله:(فكما أن
لوالديك..)، وهذه القطعة رواها الطبراني من حديث ابن عمر قال الدارقطني في العلل:
إن الأصح وقفه على ابن عمر.