ولذلك لم يبق للقاضي من دور سوى أن ينفذ
ما قررته الشريعة..
روي أن جعد بن هبيرة قال لعلي بن أبي
طالب : يا أمير المؤمنين، يأتيك الرجلان، أنت أحب إلى أحدهما من أهله وماله،
والآخر لو يستطيع أن يذبحك لذبحك فتقضي لهذا على هذا!.. قال: فلهزه علي وقال: إن
هذا شيء لو كان لي لفعلت، ولكن إنما ذاك شيء لله.
قلنا: ذلك ليس خاصا بالإسلام.. ففي جميع
محاكم العالم لا يمكن للقاضي أن يقضي إلا بما سنته الدولة من قوانين.
قال: ومن هي الدولة؟
قلنا: هي الشعب.. ومن يمثل الشعب.
قال: فإن كان من يمثل الشعب مستبدا
ظالما؟
قلنا: ستمثل القوانين استبداده وظلمه.
قال: ولهذا.. فإن الله سبحانه برحمته
بعباده ولطفه بهم لم يترك هذا الباب لتقلبات الأيام.. وتغيرات الدول.. وأمزجة
الحكام..
ففي الوقت الذي كان فيه لويس الخامس عشر
يقول: (أنا الدولة والدولة أنا) كان قضاة المسلمين يقفون بكبرياء أمام أي حاكم
يريد أن ينحرف بالعدالة إلى ما تتطلبه أهواؤه.
لقد روي أن علياً ضاعت منه درع فوجدها
عند نصراني. فأقبل به إلى القاضي شريح يخاصمه، وقال علي: هذه الدرع درعي ولم أبع
ولم أهب.. فقال شريح للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين.. فقال النصراني:
ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب! فالتفت شريح إلى على وقال: يا
أمير المؤمنين، ألك بينة؟ فابتسم علي وقال: أصاب شريح، ما لي بينة.