فالشيطان يتجلى في هذه الآية بمظهره الحقيقي مظهر الضعيف العاجز الذي
نفخ فيه البشر وألبسوه من ثياب العظمة والكبرياء ووهبوه من أسباب التسلط ما يزاحم
به الألوهية.
سكت قليلا، ثم قال: أتدرون ما سبب هذه النظرة التي جعلت للشيطان كل
تلك السلطات؟
سكتوا، فقال: التصور الوثني..
قالوا: التصور الوثني؟!
عبد الحكيم: أجل.. فهو الذي يجعل من
الشيطان إلها قائما بذاته يتحدى الله سبحانه وتعالى.. ولهذا اعتبر القرآن الكريم
من أعطوا الجن من السلطات ما ليس لهم أو وضعوهم كمدبرين ومؤثرين بذواتهم في الكون
مشركين بذلك التعظيم، قال تعالى:﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا
لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنعام:100)
وقد أخبرت الملائكة ـ عليهم السلام ـ أن أكثر البشر كانوا يعبدون
الجن ويشركونهم بالله، ومن أساليب العبودية التعظيم والخوف والذي لا يقتصر على
المشركين من عرب الجاهلية فقط، قال تعالى:﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ
دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ (سـبأ:41)
إن هذا مرض من الأمراض التي يسير الطب الحديث نحو معرفة الكثير من
أسرارها، ويوشك أن يجد لها العلاج الذي يقمع مادتها، فاتصل بالأطباء، فهذا
اختصاصهم لا اختصاص رجال الدين.
أجير بولس: أنت تقول هذا، لأن
دينكم خال من هذا الجانب.
عبد الحكيم: لا.. نحن نرتبط بالله..
وإذا مرضنا علمنا نبينا أن نلجأ إلى الله، وندعوه، وفي نفس الوقت نمارس ما أمرنا
الله به من أسباب الشفاء التي قدر لها في عالم الحكمة قوانينها.