فذكر الحديث إلى أن قال:
فقالوا: يا رسول الله، هلكنا عطشنا، انقطعت الاعناق، فقال: (لا هلك عليكم)، ثم قال:
(يا أبا قتادة، ائت بالميضاة)، فأتيته بها، فقال: (أطلقوا لي غمري) - يعني قدحي -
فحللته فأتيته به، فجعل يصب فيه ويسقي الناس، فازدحم الناس، فقال رسول الله (ص): (أيها الناس أحسنوا الملا،
فكلكم سيروى)
فشرب القوم، وسقوا دوابهم وركابهم وملئوا ما كان معهم من إداوة وقربة
ومزادة حتى لم يبق غيري وغيره، قال: (اشرب يا أبا قتادة)، قلت: اشرب أنت يا رسول
الله، قال: (ساقي القوم آخرهم شربا)، فشربت، وشرب بعدي، وبقي في الميضاة نحو مما
كان فيها وهم يومئذ ثلاثمائة([136]).
ومنها ما حصل في غزوة هوازن، وذلك فيما حدث به سلمة بن الاكوع، فقال: غزونا مع رسول الله (ص) هوازن فأصابنا جهد شديد فأتى
بشئ من ماء في إداوة، فأمر بها فصبت في قدح، فجعلنا نتطهر حتى تطهرنا جميعا.
وفي لفظ: فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة([137]) وكنا أربع عشرة مائة([138]).
ومنها ما حدث به عمران بن حصين قال: كنا مع رسول الله (ص) في سفر، فاشتكى إليه الناس
العطش، فنزل ثم دعا عليا، ورجلا آخر([139])، فقال: (اذهبا فابغيا الماء فإنكما ستجدان امرأة بمكان كذا وكذا
معها بعير عليه مزادتان ([140]) فأتيا بها)، فانطلقا فلقيا امرأة بين مزادتين من ماء على بعير لها،
فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، فقالا لها: انطلقي إذا،
قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله (ص) قالت: الذي يقال له الصابئ؟ قالا: هو الذي تعنين ([141])، فانطلقا فجاءا بها إلى النبي (ص) وحدثاه بالحديث، قال: فاستنزلوها عن بعيرها ودعا النبي (ص) بإناء،
[140] المزادتان:
تثنية مزادة وهي قربة كبيرة يزاد فيه جلد من غيرها ويسمى أيضا السطيحة والمراد بها
الراوية.
[141] ذكر العلماء
حسن الأدب الذي حوى عليه قول علي ورفيقه لها لما قالت: الصابئ: (هو الذي تعنين)،
لأنه لو قالا لها: لا، لفات المقصود، أو نعم، لما حسن بهما، إذ فيه طلب تقرير ذلك،
فتخلصا أحسن تخليص.