قال له عداس: وما
يدريك ما يونس بن متى؟ والله لقد خرجت منها ـ يعني من أهل نينوى ـ وما فيها عشرة
يعرفون ما يونس بن متى، فمن أين عرفت أنت يونس بن متى، وأنت أمي وفي أمة أمية،
فقال رسول الله (ص): (ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي)
فأكب عداس على رسول الله (ص) يقبل رأسه ويديه
وقدميه، فقال ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك.
فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك ما لك
تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا الرجل، لقد
أعلمني بأمر لا يعلمه إلا نبي.
قال: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك،
فإن دينك خير من دينه.
فانصرف رسول الله (ص) عنهم، وهو محزون لم
يستجب له رجل واحد ولا امرأة([648]).
وذكر خالد العدواني أنه أبصر رسول الله (ص) في سوق ثقيف وهو
قائم على قوس أو عصا حين أتاهم يبتغي عندهم النصر فسمعته يقرأ:﴿ وَالسَّمَاءِ
وَالطَّارِقِ﴾ (الطارق:1) حتى ختمها، قال فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك، ثم
قرأتها في الإسلام.
قال فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من
هذا الرجل فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا ولو كنا نعلم ما
يقوله حقا لاتبعناه([649]).
وفي ذلك الموقف الشديد عرضت على رسول
الله (ص) نصرة الله بهلاك الذين
يؤذونه، ولكنه أبى رحمة بهم، فقد روي في الحديث أن رسول الله (ص) قال: جاءني جبريل
فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام، وهذا ملك الجبال قد أرسله وأمره ألا يفعل شيئا
إلا بأمرك.
فقال له ملك الجبال: إن شئت رمهت عليهم
الجبال، وإن شئت خسفت بهم الأرض فقال: يا ملك الجبال: فإني آتى بهم لعلهم أن يخرج
منهم ذرية يقولون لا إله إلا الله، فقال ملك الجبال: أنت كما سماك ربك رؤوف رحيم)([650])
ولم يقتصر الإيذاء على الفترة المكية
التي كان المسلمون فيها مستضعفين، بل تعداه إلى الفترة المدنية بعد هجرة النبي (ص)، بل امتد إلى آخر
حياة النبي (ص)، ففي غزوة تبوك التي حل بالمسلمين فيها من النصب والتعب والجوع
والعطش الشئ الكثير، استهزأ برسول الله (ص) من استهزأ، فنزل الوحي يعلن كفر هؤلاء
المستهزئين، قال تعالى:﴿ وَلَئِنْ