شرف ومنعة، أو محتمين بجوار أحد، ومع ذلك
كانوا يخفون إسلامهم ويبتعدون عن أعين الطغاة بقدر الإمكان، ولكنهم مع هذه الحيطة
والحذر لم يسلموا كل السلامة من الأذى والخسف والجور ([645]).
عندما رأى أعداء محمد (ص) أن البلاء الذي
يعرضونه له لم يزده إلا ثباتا اختاروا أسلوبا جديدا من الأساليب التي لا يزال
الطغاة يمارسونها.
إنه أسلوب التجويع الذي تعرفونه، والذي ـ
ربما ـ يكون قد مورس عليكم.
قال رجل منهم: أجل.. بل نحن لا
نقاد أفرادا أو شعوبا إلا منه.. بل إن كرامتنا تهدر فنقف صامتين بسببه.
عبد القادر: ولكن محمدا (ص) لم يلن، ولم يضعف،
ولم يتزلزل أمام ذلك الحصار الذي مورس عليه، وعلى المقربين إليه، وسأحدثكم بقصة
ذلك.
لقد ورد بأسانيد مختلفة أن كفار قريش
أجمعوا أمرهم على قتل رسول الله (ص)، وكلموا فى ذلك بنى هاشم وبنى المطلب،
ولكنهم أبوا تسليمه (ص).
فلما عجزت قريش عن قتله أجمعوا على
منابذته ومنابذة من معه من المسلمين ومن يحميه من بنى هاشم وبنى المطلب، فكتبوا
بذلك كتاباً تعاقدوا فيه على ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم، ولا يدعوا سبباً من أسباب
الرزق يصل إليهم، ولا يقبلوا منهم صلحاً، ولا تأخذهم بهم رأفة، حتى يسلم بنو عبد
المطلب رسول الله (ص) للقتل، وعلقوا الكتاب فى جوف الكعبة.
والتزم كفار قريش بهذا الكتاب ثلاث
سنوات، بدءاً من محرم سنة سبع من البعثة الى السنة العاشرة منها([646]).
في هذه المدة حوصر بنو هاشم وبنو المطلب
ومعهم رسول الله (ص) فى شعب بنى المطلب، وقد كانت شعاب مكة متفرقة.
في تلك السنوات جهد النبى (ص) والمسلمون جهداً
شديداً، واشتد عليهم البلاء، حتى
[646] وقيل استمر
ذلك سنتين فقط، ورواية موسى بن عقبة تدل على أن ذلك كان قبل أمر رسول الله أصحابه بالهجرة
الى الحبشة، وإنما أمرهم بها أثناء هذا الحصار، أما رواية ابن اسحاق فتدل على أن
كتابة الصحيفة كانت بعد هجرة أصحابه الى الحبشة.