الله تعالى، وأن
نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا
وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا
نظلم عندك أيها الملك.
فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن
الله من شيء؟ فقال له جعفر: نعم. فقال له النجاشي: فاقرأه على، فقرأ عليه
صدرًا من سورة مريم، وهي تذكر قصة ميلاد المسيح، فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته،
وبكت أساقفته حتى أخْضَلُوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال لهم
النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فلا والله لا
أسلمهم إليكما، ولا يكادون ـ يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه ـ فخرجا.
فلما خرجا قال عمرو بن العاص لعبد الله
بن أبي ربيعة: والله لآتينه غدًا عنهم بما أستأصل به خضراءهم. فقال له عبد
الله بن أبي ربيعة: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا، ولكن أصر عمرو
على رأيه.
فلما كان الغد قال للنجاشي: أيها
الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم النجاشي يسألهم عن
قولهم في المسيح ففزعوا، ولكن أجمعوا على الصدق، كائنًا ما كان، فلما دخلوا عليه
وسألهم، قال له جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا (ص) : هو عبد الله ورسوله وروحه
وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البَتُول.
فأخذ النجاشي عودًا من الأرض ثم قال:
والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقته، فقال: وإن
نَخَرْتُم والله.
ثم قال للمسلمين: اذهبوا فأنتم شُيُومٌ
بأرضي ـ والشيوم: الآمنون بلسان الحبشة ـ من سَبَّكم غَرِم، من سبكم غرم، من
سبكم غرم، ما أحب أن لى دَبْرًا من ذهب وإني آذيت رجلًا منكم ـ والدبر: الجبل
بلسان الحبشة.
ثم قال لحاشيته: ردّوا عليهما هداياهما
فلا حاجة لى بها، فوالله ما أخذ الله منـي الرشـوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشـوة
فيــه، وما أطاع الناس في فأطيعـهم فيه.
قالت أم سلمة التي تروى هذه القصة:
فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير
جار.
ولما أخفق المشركون في مكيدتهم، وفشلوا
في استرداد المهاجرين استشاطوا غضبًا، وكادوا يتميزون غيظًا، فاشتدت ضراوتهم
وانقضوا على بقية المسلمين، ومدوا أيديهم إلى رسول الله (ص) بالسوء، وظهرت منهم تصرفات تدل
على أنهم أرادوا القضاء على رسول الله (ص) ؛ ليستأصلوا جذور الفتنة التي أقضت
مضاجعهم، حسب زعمهم.
أما بالنسبة للمسلمين فإن الباقين منهم
في مكة كانوا قليلين جدًا، وكانوا إما ذوى