المعجزة في القرآن الكريم.. ولذلك سأذكر
لكم دليلا آخر، نطبقه في حياتنا كثيرا، وقبل أن أورده عليكم.. أجيبوني: كيف نعرف
أن رجلا ما مصارع لا ينافس، ولا تناظر قوته؟
قالوا: عندما يتحدى
المصارعين، فإذا برزوا إليه صرعهم.
عبد القادر: فهل ترون في الواقع
مصارعا يصرع كل من يتحداه في كل حين، وفي كل مكان، بل يتحدى جموع المصارعين.. فلا
يستطيعون تحديه؟
قالوا: هذا مستحيل.. فكل
مصارع من هذا القبيل يكون بطلا للمصارعين في زمان محدود، محدود جدا، ثم لا يلبث أن
يقهر هذا المصارع، لينال الغلبة غيره، وهكذا.
عبد القادر: ولكن القرآن الكريم
تحدى الكل، وفي كل الأزمنة، ولكنه لم يجد من يقف في وجهه إلى الآن..
فالله تعالى يقول ـ مبيناً عجز الإنس
والجن مجتمعين أن يأتوا بمثل القرآن الكريم ـ: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ
وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ
بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (الإسراء:88).
بل إن القرآن الكريم تحداهم بأن يأتوا
بعشر سور مثله، فقال تعالى:﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ
سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ (هود:13).
ثم تحداهم الله أن يأتوا بسورة من مثله،
فلم يقدروا، وأخبرهم أنهم لن يفعلوا، فقال تعالى:﴿ وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ
مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا
شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(23)فَإِنْ لَمْ
تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ
وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(24)﴾ (البقرة)
ولو كان القرآن من كلام الرسول (ص) لما جزم بعدم
استطاعة أحد أن يأتي بمثله، وتحقق هذا الجزم بعد ذلك دليلُُ على أن القرآن كلام
الله المعجز.
لقد كان بإمكان الكفار أن يكذبوا القرآن
لو استجابوا للتحدي، وأتوا بسورة مثل القرآن، ولماّ رأينا أنهم تركوا الاستجابة
للتحدي مع أنه أمر لا يكلفهم كثيراً من التبعات، واختاروا الطريق الوعر لمواجهة
الرسول وهو الحرب وإزهاق الأنفس وإهدار الأموال علمنا علماً يقينياً عجزهم عن
الإتيان بمثله مع كونهم أساطين الفصاحة والبلاغة.
ولو قَدَّرنا أن رجلاً ألف كتاباً، أو
قال شعراً ثم تحدى الكتاب والشعراء، فقال: عارضوني، وإن لم تعارضوني، فأنتم كفار
مأواكم النار، فمن المستحيل أن يحجم الجميع عن معارضته لدفع وعيده لهم بدخول
النار، فإذا لم يعارضوه رغم توافر الدواعي لمعارضته كان ذلك من أبلغ العجائب
الخارقة للعادة الدالة على صدقه في تحديه.