من الأرض ينبوعاً، أو بأن تكون له جنة من
نخيل وعنب يفجر الأنهار خلالها تفجيراً، أو أن يأخذهم بعذاب من السماء، فيسقطها
عليهم قطعاً كما أنذرهم أن يكون ذلك يوم القيامة! أو أن يأتي بالله والملائكة
قبيلاً يناصره ويدفع عنه كما يفعلون هم في قبائلهم! أو أن يكون له بيت من المعادن
الثمينة، أو أن يرقى في السماء، ولا يكفي أن يعرج إليها وهم ينظرونه، بل لا بد أن
يعود إليهم ومعه كتاب محبر يقرأونه.
إنك ترى طفولة الإدراك والتصور في هؤلاء،
كما يبدو التعنت في هذه المقترحات الساذجة، وهم يسوون بين البيت المزخرف والعروج
إلى السماء.. أو بين تفجير الينبوع من الأرض، ومجيء الله سبحانه والملائكة قبيلاً.
والذي يجمع في تصورهم بين هذه المقترحات
كلها هو أنها خوارق، فإذا جاءهم بها نظروا في الإيمان له والتصديق به!
والقرآن ينبه إلى أن الخارقة ليست من صنع
الرسول، ولا هي من شأنه، إنما هي من أمر الله سبحانه وفق تقديره وحكمته.
فليس من شأن الرسول أن يطلبها إذا لم
يعطه الله إياها، فأدب الرسالة وإدراك حكمة الله في تدبيره يمنعان الرسول أن يقترح
على ربه ما لم يصرح له به([580]).
والقرآن ينص على أن مقصود الكفار بهذه
الإقتراحات العناد والتعنت واللجاج، ولو جاءتهم كل آية لقالوا هذا سحر، كما قال
تعالى:﴿ لَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ
بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾
(الأنعام:7)
هذا هو معنى الآية الثالثة التي استدللت
بها ـ حضرة القس ـ
فمعناها: (وما منعنا يا مـحمد أن نرسل
بـالاَيات التـي سألها قومك، إلا أن كان من قبلهم من الأمـم الـمكذّبة، سألوا ذلك
مثل سؤالهم فلـما أتاهم ما سألوا منه كذّبوا رسلهم، فلـم يصدّقوا مع مـجيء
الاَيات، فعوجلوا فلـم نرسل إلـى قومك بـالاَيات، لأنّا لو أرسلنا بها إلـيها،
فكذّبوا بها، سلكنا فـي تعجيـل العذاب لهم مسلك الأمـم قبلها)
فالحديث في هذا عن بعض مقترحات المشركين،
كما ذكرنا سابقا، وقد ورد في سبب نزول الاية ما يوضح ذلك، فعن ابن عبـاس، قال: سأل
أهل مكة النبـيّ (ص) أن يجعل لهم الصفـا ذهبـا، وأن ينـحي عنهم الـجبـال، فـيزرعوا،
فقـيـل له: إن شئت أن نستأنـي
[580] انظر في تفسير
هذه الآيات: في ظلال القرآن، سيد قطب.