فهذا السيوطي يقسم المعجزة الى نوعين،
فيقول: (المعجزة إما حسية، وإما عقلية، وكثرة معجزات بنى إسرائيل كانت حسية
لبلادتهم وقلة بصيرتهم، وكثر معجزات هذه الأمة عقلية لفرط ذكائهم وكمال أهامهم،
ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة خصت بالمعجزة
العقلية الباقية ليراها ذوو البصائر)([570])
والعلماء يجمعون من قديم على أن القرآن
وحده معجزة محمد، لذلك، فى باب معجزة النبى العربى اقتصروا على كتب الاعجاز.. وهذا
إقرار منهم بأنه ليس لمحمد معجزة حسية تشهد له، كما سنرى ذلك من القرآن نفسه.
عبد القادر: ولكن العلماء الذين
ترجع لهم كلهم يثبت معجزات حسية لمحمد (ص) ابتداء من السيوطي الذي خصص كتابا لذلك.
بولس: دعنا من ذلك.. إن
شئت التحقيق في هذا، فقد افترق المسلمون ثلاث فرق فى تقدير معجزة محمد: فئة
التقليديين الذين لم يزالوا غائصين فى رواسب الماضى، وفئة العلماء الذين يجعلون
القرآن وحده معجزة محمد، و فئة المتحررين الذين ينادون بأنه لا ضرورة للمعجزة لصحة
النبوة.
أما فئة التقليديين البسطاء.. فلا ينبغي
لعالم أن يلتفت لما يذكرون من خرافات.
أما العلماء.. فهذا العالم العلامة الذي
لم يوجد له نظير في التحقيق العلمي([571]) الدكتور محمد حسين
هيكل ينص ـ بعد تحقيق طويل وجهد جهيد فى كتابه العظيم (حياة محمد) ـ على هذا،
فيقول: (لم يرد فى كتاب الله ذكر لمعجزة أراد الله بها أن يؤمن الناس كافة
[571] هذه هي عادة
المبشرين والمستشرقين في الرفع من شأن من يريدون استغلال أقواله لموجهة الإسلام،
وهم ـ في نفس الوقت ـ قد يحولونه قزما في موضع آخر إذا ما رأوا منه أي خطر عليهم.
وقد أنكر هيكل عددا من المعجزات
الثابتة بصريح القرآن ومتواتر السنة، كنزول الملائكة في بدر، وطير الأبابيل، وشق
الصدر والإسراء وأن (اقرأ) كانت مناما.
وذلك كله إرضاء للمنهج العلمي
الغربي الذي أعلنه وأعلن التزامه به فاعتبر الإسراء سياحة الروح في عالم الرؤى،
ووصف الملائكة الذين أمد الله بهم المسلمين في غزوة بدر بالدعم المعنوي، ووصف طير
الأبابيل بداء الجدري، واعتبر شق الصدر شيئا معنويا، واعتبر لقاء جبريل بالنبي في
حراء مناما، وبذلك عمد إلى تفريغ تاريخ النبي من الحقائق الغيبية
والمعجزات وقصر موقفه على أن للنبي معجزة واحدة هي القرآن الكريم.
وقد علل الدكتور هيكل إنكاره جميع
المعجزات المحمدية (غير القرآن) بأنها مخالفة للسنة الإلهية، وزعم أن روايات
معجزاته موضوعة، قصد واضعها إما أن يجعل لنبينا مثل ما لموسى وعيسى
عليهما السلام، وإما أن يشكك الناس في صحة آية ﴿ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ
تَبْدِيلاً)(الأحزاب: من الآية62)