وباستخدام الاحتمالات
المنطقية من هذه اللوازم نصل إلى المراد من آيات الإغشاء والتكوير والإيلاج
والسلخ، على الترتيب.
لنبدأ بآيات الإغشاء،
كقوله تعالى:﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ﴾ (لأعراف: 54) ومعناها: على اعتبار
أن فيها حذفاً تقديره: يغشي الليل النهار، ويغشي النهار الليل، أي: أنه تعالى يغطي
بالليل النهار ويغطي بالنهار الليل على سطح الأرض، وحيث أنه لا معنى لتغطية زمن
بزمن، فيكون المعنى بالمجاز المرسل: يغطي الله بظلمة الليل مكان النهار على الأرض
فيصير ليلاً، ويغطي الله بنور النهار مكان الليل فيصير نهاراً، والقرينة على هذا
المعنى المقصود كلمة ﴿ يغشي ﴾ أي: يغطي، لأن الإغشاء يقتضي تغطية شيء بشيء، والأول
المراد تغطيته هو مكان النهار ثم مكان الليل، والثاني: وهو الغطاء هو ظلمة الليل
ثم نور النهار.
بل في قوله تعالى:﴿
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ﴾ (لأعراف: 54)، والتي تصف
تعاقب الليل والنهار عقب تمام خلق السماوات والأرض، حيث جعل الله ظلمة الليل تطلب
مكان النهار، وضياء النهار يطلب مكان الليل على الأرض بسرعة لا بطء فيها في بداية
تاريخ كوكب الأرض، وهذا لا يحدث إلا بدورانها سريعاً حول محورها، بحيث يتعاقب
الليل والنهار بدليل العبارة القرآنية ﴿ يطلبه حثيثا﴾، وبذلك لا يبقى مكان على
الأرض دائم الليل أو دائم النهار([74]).
[74]
علاوة على هذا، فإن الدوران السريع للأرض في بداية الخلق إعجاز علمي آخر للآية،
فقد تبين علمياً أن سرعة الأرض كانت عالية عند بدء خلق الأرض، ثم تناقصت بالتدريج
مع مرور الزمن، وما زال هذا التناقص مستمراً بسبب ظاهرة المد والجزر التي تعمل
كفرملة لكوكب الأرض بواسطة جذب القمر لمياه البحار والمحيطات.
ورغم أنه تعويق ضئيل
للغاية إلا أنه يؤدي إلى طول اليوم على كوكب الأرض بمرور الزمن، وقد تبين علمياً
أنه يزداد بمقدار (1...... ثانية) كل قرن، ولكن هذه الزيادة الضئيلة جداً تتراكم
بمضي الزمن عبر بلايين السنين لتؤثر فعلاً في طوال اليوم، فلو رجعنا بالزمن إلى
الدوران لحظة تاريخ نشأة الأرض لوجدنا زمن اليوم الأرضي كان 4 ساعات فقط، ثم أخذت
الأرض في التباطؤ التدريجي في الدوران حول نفسها بفعل المد والجزر لدرجة أن زمن
اليوم الأرضي أصبح 22 ساعة بعد مرور 4 مليار سنة على نشأة الكوكب، أي: منذ 500
مليون سنة، وأصبح الآن 23 ساعة، 56 دقيقة، 48 ثانية.
ورغم هذا التباطؤ في
الدوران فإن الأرض تمثل الساعة الكونية العظمى التي لا تتعطل إلا بجزء من مليون من
الثانية كل يوم نظراً لتأثير المد والجزر، ورغم أن كتلة الأرض تبلغ أكثر من 6600
مليون مليون مليون طن، فإنها تعتبر أثناء دورانها حول نفسها أدق ساعة في الوجود
وتفوق في دقتها ساعات الكوارتز، كما أن هذا التعطيل اليومي الضئيل لم يتم قياسه
حديثاً إلا باستخدام الساعات الذرية وأبحاث أخرى بيولوجية في القواقع البحرية.
وفي القرآن الكريم
إشارة لهذه الظاهرة تؤكد أن تعاقب الليل والنهار كان سريعاً في بداية خلق الأرض،
ثم أخذ يتناقص تدريجياً إلى أن أصبح تعاقباً عادياً نعيش فيه الآن بعد تمام إعداد
الأرض وتسخيرها لحياة الإنسان، أي: أن اليوم أصبح الآن طويلاً بعد أن كان قصيراً
عند نشأة الكوكب.
فالله تعالى يقول
مشيراً إلى التعاقب السريع لليل والنهار في سياق وصف عملية الخلق في المراحل
الأولى:﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي
سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ
يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ﴾(لأعراف: من الآية54)