ستتكون من هذا الدخان
لاحقا، فلم يكن ثمة سماء قبل ذلك.
لقد أطلق العلماء على
هذه السحابة من الجسيمات الأولية اسم الغبار الكوني، بينما سماها القرآن الدخان
والتسمية القرآنية أدق من تسمية العلماء، فالجسيمات الأولية أصغر من أن تكون غبارا
وحتى دخانا، ولكن الدخان هو أصغر وأخف شيء يمكن أن تراه أعين البشر علاوة على أن
الدخان يوحي بالحالة الحارة التي كان عليها الكون([62]).
ولم يكتف القرآن الكريم
بذكر هذه المرحلة التي مرت بها الأرض، بل نص على المصدر الذي جاء منه هذا الدخان،
حيث ذكر أن السموات وما تحويه من أجرام كانت كتلة واحدة، ثم تفتفت جميع مادة هذا
الكون من هذه الكتلة، وذلك في قوله تعالى:﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا
أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا
مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ ﴾ (الانبياء:30)، فهذا الفتق
في مادة الكون الأولية هو ما يسمى بالانفجار العظيم الذي حول هذه المادة ذات
الكثافة العالية إلى سحابة كبيرة من الدخان أو الغبار الكوني.
وممّا يؤكد أن هذا
الدخان قد نتج عن انفجار كوني ضخم هو إشارة القرآن إلى أن الكون في توسع مستمر،
والتوسع لا يتأتى إلا إذا بدأ الكون من جرم صغير، وبدأ حجمه بالازدياد، قال
تعالى:﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ (الذريات:47)
لقد أجمع العلماء على
حقيقة التوسع الكوني، ولكنهم اختلفوا في الحالة التي سيؤول إليها، فبعضهم يذكر بأن
الكون سيبقى في حالة تمدد إلى الأبد، بينما يرى آخرون أنه سيأتي يوم تتغلب فيه قوة
الجذب بين مكوناته على قوة الاندفاع الناتجة عن الانفجار، فيعود الكون من حيث بدأ،