قال: ومثل هذا يقال في كل اختبارات الدنيا، فيستحيل أن يتساوى
الخلق جميعا في اختبار واحد لتعدد مواهبهم وطاقاتهم.
قلت: ما غرضك من كل
هذا؟
قال: ما ذكرناه في
اختبارات الدنيا هو نفسه ما يحصل في اختبارات الله تعالى لخلقه.. فبما أن طاقاتهم
مختلفة ومواهبهم مختلفة، فلذلك من عدل الله تعالى أنه يعاملهم بحسب أحوالهم
المختلفة.
وهذه المعاملة ترجع إلى
خبرة الله بخلقه، كما قال تعالى عند ذكر التنوع في بسط الرزق وقبضه: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ
الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا
يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (الشورى:27) أي لو أعطاهم فوق حاجتهم التي تختلف
باختلاف طبائعهم وأحوالهم لحملهم ذلك على البغي والطغيان.
والشاهد هنا هو ختمه
الآية بإرجاع علة ذلك إلى خبرة الله وبصره بخلقه، كما ورد في الحديث القدسي:( إن
من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالغنى ولو أفقرته لكفر، وإن من عبادي من لا يصلح
إيمانه إلا بالفقر ولو أغنيته لكفر، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالسقم
ولو أصححته لكفر، وإن من عبادي من لا يصلح إلا بالصحة ولو أسقمته لكفر)([245])
ويدل على هذا ما ورد في
الحديث من اختبار الله لثلاثة نفر في بني إسرائيل أبرص، وأقرع، وأعمى، ليخرجوا ما
يخفيه جوهرهم من صفات، فبعث ملكا فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون
حسن وجلد حسن، قد قذرني الناس، فمسحه فذهب، وأعطي لونا حسنا