قلت: وعيت هذا..
فحدثني عن الكلمة الثانية.. حدثني عن التكليف.
قال([242]): المراد بالتكليف - - على حسب
المصطلح الإسلامي - الوظيفة التي ندب الله لها البشر على هذه الأرض، وقد عبر عن
هذه الوظيفة في القرآن الكريم تعابير مختلفة، لكل منها دلالته الخاصة، ولكل منها
علاقته بالعدل الإلهي في التكليف.
فقد عبر عن التكليف
بكونه أمانة، كما قال تعالى: إِنَّا
عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ
أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ
ظَلُوماً جَهُولاً
(الأحزاب:72)، ثم قال بعدها: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ
وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (الأحزاب:73)
فهاتان الآيتان تجمعان
جميع دلائل العدالة الإلهية في تكليف الإنسان:
وأول ذلك أن الإنسان
خير في قبول التكليف، فقبله عن طواعية تامة ورضى خالص، بل إنه تعالى ـ من باب
العدالة المطلقة ـ قدم عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها،
ليكون للإنسان أسوة في حال الامتناع، ولكنه رضي عن طواعية تامة بهذا التكليف.
وجاء في الآية الثانية
الإخبار بالجزاء الذي يرتبط بالقدر الذي تؤدى به الأمانة لا بأي ارتباط آخر، وهو
ما يقتضيه العدل.
أما إخباره تعالى بأن
الإنسان ظلوم جهول، ففيه دلالة قوية على السر الذي جعله مستعدا لتحمل الأمانة،
فظلمه يحمل بذور العدل، وجهله يحمل طاقة التعلم، فكانت طاقاته التي وهبها
[242] تحدثنا بتفصيل عن
هذه المسألة في رسالة (أسرار الأقدار)، وبعض ما نذكره هنا ملخص منها بحسب ما
يقتضيه المقام.