قال الباقر([181]): إن إثبات أن
الله هو النور الحق، وأن اسم النور لغيره مجاز محض لا حقيقة له يستدعي - أولا-
معرفة معنى النور بالوضع الأول عند العوام.. ثم بالوضع الثاني عند الخواص.. ثم
بالوضع الثالث عند خواص الخواص.. ثم نعرف درجات الأنوار المذكورة المنسوبة إلى
خواص الخواص وحقائقها لينكشف لنا عند ظهور درجاتها أن الله تعالى هو النور الأعلى
الأقصى، وعند انكشاف حقائقها أنه النور الحق الحقيقي وحده لا شريك له فيه.
قال
شنْكَراجاريا: فلنبدأ بالوضع الأول، وهو النور عند العامي البسيط.
قال الباقر:
النور – في مرتبته الأولى- يشير إلى الظهور.. والظهور أمر إضافي: إذ يظهر
الشيء لا محالة لإنسان ويبطن عن غيره، فيكون ظاهرا بالإضافة وباطنا بالإضافة..
وإضافة ظهوره إلى الإدراكات لا محالة.. وأقوى الإدراكات وأجلاها عند العوام
الحواس، ومنها حاسة البصر.
والأشياء
بالإضافة إلى الحس البصري ثلاثة أقسام: منها ما لا يبصر بنفسه كالأجسام المظلمة..
ومنها ما يبصر بنفسه ولا يبصر به غيره كالأجسام المضيئة كالكواكب وجمرة النار إذا
لم تكن مشتعلة.. ومنها ما يبصر بنفسه ويبصر به أيضا غيره كالشمس والقمر والسراج
والنيران المشتعلة.. والنور اسم لهذا القسم الثالث.
وعلى هذا،
فالنور عبارة عما يبصر بنفسه ويبصر به غيره.
ولما كان سر
النور وروحه هو الظهور للإدراك، وكان الإدراك موقوفا على وجود النور وعلى وجود
العين الباصرة أيضا: إذ النور هو الظاهر المظهر؛ وليس شيء من الأنوار ظاهراً في حق
العميان ولا مظهرا.. فقد تساوى الروح الباصرة والنور الظاهر في كونه ركنا لا بد
منه للإدراك،
[181] البرهان على هذا
ملخص بتصرف كبير من رسالة (مشكاة الأنوار) للغزالي، وقد حاولنا أن نبعد عن البرهان
ما رأينا أنه من آثار الفلسفة الإشراقية.