وأما القراءة:
فهي في اللسان عبارة عن فعل القارئ الذي كان ابتدأه بعد أن كان تاركاً له، ولا
معنى للحادث إلا أنه ابتدأ بعد أن لم يكن.
وأما القرآن،
فقد يطلق ويراد به المقروء، فإن أريد به ذلك فهو غير مخلوق.. وهو الذي أراده الله
تعالى عندما وصف القرآن بأنه كلام الله تعالى.. وإن أريد به القراءة التي هي فعل
القارئ ففعل القارئ لا يسبق وجود القارئ، وما لا يسبق وجود الحادث فهو حادث..
والقرآن بهذا الوصف مخلوق([179]).
[179] نرى أن هذا من أحسن
الأجوبة في مسألة (خلق القرآن)، وهي من مسائل الفضول التي فرقت الأمة، ولا علاقة
لأي جواب فيها بالسنة والبدعة، بل أحسن جواب فيها هو السكوت عن الكلام فيها..
أما
ما يذكره بعضهم عن أحمد من قوله: (من زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم
أن القرآن كلام الله ووقف ولم يقل ليس بمخلوق فهو أخبث من قول الأول، ومن زعم أن
ألفاظنا به وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي، ومن لم يكفر هؤلاء
القوم كلهم فهو مثلهم)
وما
رووا عنه من قوله: (الجهمية افترقت ثلاث فرق فقالت طائفة منهم: القرآن كلام الله
مخلوق وقالت طائفة: القرآن كلام الله وسكتت وهي الواقفة الملعونة!! وقال بعضهم:
ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، فكل هؤلاء جهمية كفار! يستاتبون فإن تابوا وإلا قتلوا)!!
و (.. أن من هذه مقالته إن لم يتب لم يناكح ولا يجوز قضاؤه ولا تؤكل ذبيحته)!!
أو ما
رواه المروذي عنه من قوله: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل- إن الكرابيسي
-أحد علماء الشافعية- يقول: من لم يقل لفظه بالقرآن مخلوق فهو كافر، فقال أحمد: بل
هو الكافر)
أو ما
روي من استحلال دم من يقول بخلق القرآن، وأنه لا يُسمع مِمَّن لم يكفرهم ولا يسلم
عليه ولو كان من الأقارب ولا تشهد لهم جنائز ولا يعادون في مرضهم!!
وغير
ذلك، فنرى أنه من غلو الأتباع، فالإمام أحمد كان أعظم شأنا في أن يقع في مثل هذا..
وإن
صح عنه النقل بذلك، فهو من الأخطاء الشنيعة.. فالإسلام أوسع من أن يحصر في مثل هذه
المسائل الفضولية.
وننبه إلى أن ما أوردنا هنا من جواب الغزالي هو الضرورة التي دعت
إليها هذه الرسائل.