أما أولهما،
فهو كلامه بالصوت والحرف.. وأما الثاني، فبكلام يمكن أن نعبر عنه بالكلام النفسي،
وهو ليس بصوت ولا حرف، وقد أشار إلى هذا النوع من الكلام الشاعر، فقال:
لا يعجبنك من أثير خطه
حتى يكون مع الكلام
أصيلا
إن الكلام لفي الفؤاد
وإنما
جعل اللسان على الفؤاد
دليلاً
وهذا النوع من
الكلام كمال.. وهو في حق الله تعالى غير محال.. ولا هو دال على الحدوث.
قال نعوم: إن
كلام النفس بالتأويل الذي ذكرت معترف به، ولكنه ليس خارجاً عن العلوم الإدراكات..
بل ليس جنساً برأسه البتة، فكلام النفس وحديث النفس هو العلم بنظم الألفاظ
والعبارات وتأليف المعاني المعلومة على وجه مخصوص.
قال الباقر:
سأوضح لك ذلك بما يزيل عنه الالتباس.. واسمح لي أن أستفيد مما أورده العلم الحديث
في هذا المجال، وأستعمل قياس الغائب على الشاهد([177])، فهو أيسر في
التوضيح.
لاشك أنكم تعلمون أن الحواس
الخمس مجرد نوافذ يتعلق بكل واحد منها إدراك معين لصفة أو عدد من الصفات التي تكون
عليها الأجسام.. ولاشك أنكم تعلمون كذلك أن مركز الإدراك ليس في هذه النوافذ
والآلات التي يجري الحس من طريقها، وإنما في فصوص معينة من قشرة المخ المركوز في
جوف رأس الإنسان.. فهذا المخ تنفذ إليه معطيات الحواس عن طريق شبكة الأعصاب
المنتشرة فروعها في جسم الإنسان؛ فيحصل فيه الإدراك، وهذه الشبكة نفسها تحمل أوامر
المخ إلى سائر أعضاء الجسم، كما نعرف من معطيات علم الطب الحديث التي صارت جزءا
[177] استفدنا في هذا المطلب
من كتاب (مسألة الكلام الالهي بين الشيعة الاثنا عشرية وأهل السنة دراسة نقدية في
ضوء معطيات العلم الحديث)، للدكتور مصعب الإدريسي.