وكأنا إذا
عرفنا أن الله تعالى حي قادر عالم فلم نعرف إلا أنفسنا ولم نعرفه إلا بأنفسنا إذ
الأصم لا يتصور أن يفهم معنى قولنا:(إن الله سميع)، ولا الأكمه يفهم معنى قولنا:(إنه
بصير)، ولذلك إذا قال القائل: (كيف يكون الله عز وجل عالما بالأشياء؟) فنقول:(كما
تعلم أنت الأشياء)، فإذا قال:( فكيف يكون قادرا؟)، فنقول: (كما تقدر أنت)، فلا
يمكنه أن يفهم شيئا إلا إذا كان فيه ما يناسبه، فيعلم - أولا - ما هو متصف به ثم
يعلم غيره بالمقايسة إليه.
فإن كان لله
عز وجل وصف وخاصية ليس فينا ما يناسبه ويشاركه في الاسم لم يتصور فهمه أبدا، فما
عرف أحد إلا نفسه، ثم قايس بين صفات الله تعالى وصفات نفسه، وتتعالى صفاته عن أن
تشبه صفاتنا، فتكون هذه معرفة قاصرة يغلب عليها الإيهام والتشبيه، فينبغي أن تقترن
بها المعرفة بنفي المشابهة، وينفي أصل المناسبة مع المشاركة في الاسم.
قلنا: عرفنا
السبيل الأول.. فما السبيل الثاني.. ذلك الذي نعته بالسبيل المسدود؟
قال: هو أن
ينتظر العبد أن تحصل له الصفات الربوبية كلها حتى يصير ربا.. وهذا السبيل مسدود
ممتنع إذ يستحيل أن تحصل تلك الحقيقة لغير الله تعالى.. وهذا هو سبيل المعرفة
المحققة لا غير.. وهو مسدود قطعا إلا على الله تعالى.
ولهذا، فإنه
يستحيل أن يعرف الله تعالى بالحقيقة غير الله.. بل على هذا المنوال يمكن أن يقال
بأنه يستحيل أن يعرف النبي غير النبي.. وأما من لا نبوة له فلا يعرف من النبوة إلا
اسمها، وأنها خاصية موجودة لإنسان بها يفارق من ليس نبيا، ولكن لا يعرف ماهية تلك
الخاصية إلا بالتشبيه بصفات نفسه.. بل يمكن أن يقال على هذا المنوال: لا يعرف أحد
حقيقة الموت، وحقيقة الجنة والنار إلا بعد الموت، ودخول الجنة أو النار، لأن الجنة
عبارة عن أسباب ملذة، ولو فرضنا شخصا