للأسرة
ثم للقبيلة.. ثم تطوروا أكثر([89])،
فآمنوا بأن الله يتجلى في كل موجود، أو يخص بعض الأحياء بالحلول فيه.. وآمنوا مع
ذلك كله بتناسخ الأرواح.
لقد رأيت
الطوطمية عاشت عندهم في أرقي العصور كما عاشت في عصور الهمجية لهذا الامتزاج بين
الاعتقاد الحديث والاعتقاد القديم.. لكنهم خلصوا في الأخير إلى الإيمان بالإله
الواحد، وإن اختلفوا في المنهج الذي سلكوه في التعرف عليه.. فلم يكن إيمانهم به
علي الأساس الذي قام عليه إيمان الشعوب الأخرى بالتوحيد.
لقد بدأوا ـ
أولا ـ بإبطال جميع المظاهر، فنسبوا إليها التعدد والاختلاف لأنها تتكرر وتزول
وتستر من ورائها الحقيقة الأبدية التي لا تتكرر ولا تزول، وتلك هي حقيقة القضاء
والقدر التي تقدر للآلهة وتقضي عليهم كما تقدر لسائر الموجودات وتقضي عليها في
أجلها المحدود.
وهنا ذهب
حكماؤها إلي مذهبين غير متفقين..
أما الفريق
الأول منهما.. فتمثل تلك الحقيقة إلها واحدا قريبا من الإله الواحد في أكثر
ديانات التوحيد، قال ماكس موللر الثقة الحجة في اللغات الآرية: (أيا كان العصر
الذي تم فيه جمع الأناشيد المسطورة في الرجفيدا فقبل ذلك العصر كان بين الهنود
مؤمنون بالله الأحد الذي لا هو بذكر ولا بأنثي ولا تحده أحوال التشخيص وقيود
الطبيعة الإنسانية، وارتفع شعراء الفيدا في الواقع إلي أوج في إدراكهم لكنه
الربوبية لم يترق إليه مرة أخري غير أناس من فلاسفة الإسكندرية المسيحيين، ولكنه
فوق هذا لا يزال أرفع وأعلي مما يطيف بأذهان قوم يدعون أنفسهم بالمسيحيين)
[89] هذا ما عبر به العقاد.. ويعبر به علماء مقارنة الأديان عادة عند
بحثهم في تاريخ الأديان.. ونحن نرى أن الأمر ليس خاضعا للتطور المتوهم.. وإنما هو
خاضع لتأثير رسل الله والدعاة إليه، كما قال تعالى:﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ
بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ)
(فاطر:24)