لقد صوره لنا
الشاعر المتدين علي مثال أقرب إلي خلائق الرحمة والإنصاف، ومثال الكمال، ولكنه نسب
الخلق إلي أرباب أقدم منه ومن سائر المعبودات الأولمبية.. وهي (جيا) ربة الأرض
و(كاوس) رب الفضاء و(أيروس) رب التناسل والمحبة الزوجية، وجعل أيروس يجمع بين
الأرض وزوجها الفضاء فتلد منه الكائنات السماوية والأرضية وآخرها أرباب الأوليمب،
وعلي رأسهم (زيوس) الملقب بأبي الأرباب.
وكان
(أكسينوفون) المولود بآسيا الصغري قبل الميلاد بنحو ستة قرون أول من نقل إلى
الإغريق فكرة الإله الواحد المنزه عن الاشتباه، فكان ينعي علي قومه أنهم يعبدون
أربابا علي مثال أبناء الفناء، ويقول: إن الحصان لو عبد إلها لتمثله في صورة
الحصان..وأن الأثيوبي لو تمثل إلها لقال إنه أسود الإهاب.. وأن الإله الحق أرفع من
هذه التشبيهات والتجسيمات، ولا يكون علي شيء من هذه الصفات البشرية.. بل هو الواحد
الأحد المنزه عن الصور والأشكال، وأنه فكر محض ينظر كله ويسمع كله ويفكر كله ويعمل
كله في تقويم الأمور وتصريف أحكام القضاء.
وكان أثر
الديانات الأسيوية والمصرية أظهر من كل ما تقدم في الديانة الأورفية السرية، لأنها
كانت ملتقي عبادة إيزيس وعبادة مترا وعبادة المجوس والبراهمة.
فعرفوا الروح
وعرفوا تناسخ الأرواح، وعرفوا أدوار التطهير والتكفير، ومزجوا بها عبادة (ديونيس)
الذي كان في عصورهم الغابرة إله الخمر والقصف والترف.. فجعلوا خمره رمزا إلي
النشوة الإلهية: نشة الحياة والشباب الخالد المتجدد علي مدي الأيام.
قال رجل منا:
حدثتنا عن اليونان.. فحدثنا عن الهند.. فهي من أقدم البلاد.. ولاشك أن
نصيبا من الحقيقة عندها..
قال (فريدريك):
لقد زرت الهند، وبحثت في معابدها ومخطوطاتها، والتقيت برجال دينها..