نام کتاب : الفصل في الملل والأهواء والنحل نویسنده : ابن حزم جلد : 5 صفحه : 6
على ما قلنا فقال تعالى « فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى » فأخبر تعالى أن عمل أولئك السحرة إنما كان تخييلا لا حقيقة له وقال تعالى « إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى » فأخبر تعالى أنه كيد لا حقيقة له فإن قيل قد قال الله عز وحل « سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤوا بسحر عظيم » قلنا نعم إنها حيل عظيمة وإثم عظيم إذ قصدوا بها معارضة معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهم كادوا عيون الناس إذ أوهموهم أن تلك الحبال والعصي تسعى فاتفقت الآيات كلها والحمد لله رب العالمين وكان الذي قدر ممن لا يدري حيلهم أنها تسعى ظنا أصله اليقين وذلك أنهم رأوا صفة حيات رقط طوال تضطرب فسارعوا إلى الظن وقدروا أنها ذوات حيات ولو منعوا الظن وفتشوها لوقفوا على الحيلة فيها وأنها ملئت زئبقا ولد فيها تلك الحركات كما يفعل العجائبي الذي يضرب بسكينة في جسم إنسان فيظن من رآه ممن لا يدري حيلته أن السكين غاصت في جسد المضروب وليس كذلك بل كان نصاب السكين مثقوبا فقط فغاصت السكين في النصاب وكاد خاله خيطا في حلقة خاتم يمسك إنسان منهم طرفي الخط بيديه ثم يأخذ العجائبي الخاتم الذي فيه الخيط بفيه وفي ذلك المقام أدخله تحت يده وكان في فيه خاتم أخرى يرى من حضر حلقة الخاتم الذي في فيه يوهمهم أنه قد أخرجه من الخيط ثم يرد فمه إلى الخيط ويرفع يديه وفمه فينظر الخاتم الذي كان فيه الخيط وكذلك سائر حيلهم وقد وقفنا عليها جميعها فهذا هو معنى قوله تعالى سحروا أعين الناس أو استرهبوهم أي أنهم أوهموا الناس فيما رأوا ظنونا متوهمة لا حقيقة لها ولو فتشوها للاح لهم الحق وكذلك قوله تعالى « فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه » فهذا أمر ممكن يفعله التمام وكذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سحره لبيد بن الأعصم فولد ذلك عليه مرضا حتى كان يظن أنه فعل الشيء وهو لم يفعله فليس في هذا أيضا إحالة طبيعية ولا قلب عين وإنما هو تأثير بقوة لتلك الصناعة كما قلنا في الطلسمات والرقي فلا فرق ونحن نجد الإنسان يسب أو يقابل بحركة يغضب منها فيستحيل من الحلم إلى الطيش ومن السكون إلى الحركة والنزق حتى يقارب حال المجانين أو ربما أمرضه ذلك وقد قال عليه السلام إن من البيان لسحرا لأن من البيان ما يؤثر في النفس فيثيرها أو يسكنها عن ثورانها ويحيلها عن عزماتها وعلى هذا المعنى استعملت الشعراء ذكر سحر
6
نام کتاب : الفصل في الملل والأهواء والنحل نویسنده : ابن حزم جلد : 5 صفحه : 6