أتقوَّى بها على الأعداء ؟ فبكى الحسين ( عليه السلام ) وقال : يا بنيَّ ! يعزُّ على محمد وعلى علي ابن أبي طالب وعليَّ أن تدعوهم فلا يجيبوك ، وتستغيث بهم فلا يغيثوك ، يا بنيَّ ! هاتِ لسانك ، فأخذ بلسانه فمصَّه ، ودفع إليه خاتمه وقال : أمسكه في فيك وارجع إلى قتال عدوِّك ، فإني أرجو أنك لا تُمسي حتى يسقيك جدُّك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً . فرجع إلى القتال وهو يقول : < شعر > الحربُ قد بانت لها الحَقَائِقُ * وَظَهَرَتْ مِنْ بَعْدِهَا مَصَادِقُ وَاللهِ رَبِّ الْعَرْشِ لاَ نُفَارِقُ * جُمُوعَكم أَوْ تُغْمَدَ الْبَوَارِقُ < / شعر > فلم يزل يقاتل حتى قتل تمام المائتين ، ثمَّ ضربه منقذ بن مرّة العبدي على مفرق رأسه ضربة صرعته ، وضربه الناس بأسيافهم ، ثم اعتنق فرسه فاحتمله الفرس إلى عسكر الأعداء ، فقطَّعوه بسيوفهم إرباً إرباً . فلمَّا بلغت الروح التراقي قال رافعاً صوته : يا أبتاه ! هذا جدّي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً ، وهو يقول : العجل العجل ! فإنّ لك كأساً مذخورة حتى تشربها الساعة ، فصاح الحسين ( عليه السلام ) وقال : قتل الله قوماً قتلوك ، ما أجرأهم على الرحمان وعلى رسوله ، وعلى انتهاك حرمة الرسول ، وعلى الدنيا بعدك العفا . قال حميد بن مسلم : فكأنّي أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي بالويل والثبور ، وتقول : يا حبيباه ! يا ثمرة فؤاداه ! يا نور عيناه ! فسألت عنها فقيل : هي زينب بنت علي ( عليه السلام ) ، وجاءت وانكبَّت عليه ، فجاء الحسين فأخذ بيدها فردَّها إلى الفسطاط ، وأقبل ( عليه السلام ) بفتيانه وقال : احملوا أخاكم ، فحملوه من مصرعه ، فجاؤوا به حتى وضعوه عند الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه . قال الراوي : وشدَّ عثمان بن خالد الهمداني على عبد الرحمان بن عقيل بن أبي