يتمشَّى على شاطىء الفرات وإذا هو ببنتين تلعبان في التراب ، إحداهما تقول للأخرى : لا وحقّ الأمير ، صاحب بيعة يوم الغدير ، ما كان الأمر كذا وكذا ، وتعتذر من الأخرى ، فلمَّا رأى عذوبة منطقها قال لها : من تعنين بهذا الكلام ؟ قالت : أعني الضارب بالسيفين ، والطاعن بالرمحين ، أبا الحسن والحسين ، علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، قال لها : يا بنيَّة ، هل لك أن ترشديني إلى رئيس هذا الحيِّ ؟ قالت : نعم ، إن أبي كبيرهم ، فمشت ومشى القاسم خلفها حتى أتت إلى بيتهم ، فبقي القاسم ثلاثة أيام بعزّ واحترام ، فلمّا كان اليوم الرابع دنا القاسم من الشيخ وقال له : يا شيخ ، أنا سمعت ممن سمع من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن الضيف له ثلاثة وما زاد على ذلك فما يأكل به صدقة ، وإني أكره أن آكل الصدقة ، وإني أريد أن تختار لي عملا اشتغل به لئلا يكون ما آكله صدقة . فقال الشيخ : اختر لك عملا ، فقال له القاسم : اجعلني أسقي الماء في مجلسك ، فبقي القاسم على هذا إلى أن كانت ذات ليلة وخرج الشيخ في نصف الليل في قضاء حاجة له ، فرأى القاسم صافّاً قدميه وهو قائم وقاعد وراكع وساجد ، فعظُم في نفسه ، وجعل الله محبَّة القاسم في قلب الشيخ ، فلمّا أصبح الصباح جمع عشيرته وقال لهم : أريد أن أزوِّج ابنتي من هذا العبد الصالح ، فما تقولون ؟ قالوا : نعم ما رأيت ، فزوَّجه من ابنته ، فبقي القاسم عندهم مدّة من الزمان حتى رزقه الله منها ابنة ، وصار لها من العمر ثلاث سنين ، ومرض القاسم مرضاً شديداً حتى دنا أجله ، وتصرَّمت أيامه ، فجلس الشيخ عند رأسه يسأله عن نسبه ، وقال : ولدي ، لعلّك هاشمي ؟ قال له : نعم ، أنا ابن الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) فجعل الشيخ يلطم على رأسه وهو يقول : وا حيائي من أبيك موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، قال له : لا بأس عليك يا عم ، إنك أكرمتني ، وإنك معنا في الجنة ، يا عم فإذا أنا متُّ فغسِّلني وحنِّطني وكفِّني وادفني ، وإذا صار وقت الموسم حُجَّ أنت وابنتك وابنتي هذه ، فإذا