بالإصابة منه لقوة نظره ونفوذ بصيرته واستقامة سليقته ، ولهذا ترى أهل العالم بل المتسمين بالعلم منهم مختلفين في العقائد ، بل في الأديان ، وكل فرقة منهم تزعم النجاة لنفسه ويستدل له في زعمه بالبراهين القطعية مع إعمال القوانين المنطقية ، فكل منهم يدفع الخطأ عن نفسه إلى خصمه مع أنهما متساويان في كفتي ميزان الإصابة والبطلان ، بل ربما يصيب الأعمى رشده ويخطئ البصير قصده ، وقد يوفق الغبي للدليل ، وينحرف الفطن عن قصد السبيل ، بل رأينا كثيرا من العلماء المشهورين بالعلم والمعرفة قد أخطئوا في بعض العقائد طول عمرهم أو بقوا في شبهة واحدة أيام دهرهم ، وظنوا الباطل حقا ، والكذب صدقا ، ثم المستبان بنور الهداية والكشف خلاف ما فهموه ، بل كثيرا ما يقع الرجوع والعدول عن بعض العقائد ويحصل لهم صورة ادراكية مشبه ما كان سابقا في طرف الضد ، وحيث إن الأمر كذلك فلا خلاص من هذه الظلمات إلا بإعانة إله الأرض والسماوات ، فما أشد احتياج الإنسان بالاستعاذة إلى واهب الحكمة والعرفان ومسدد العقول والأذهان ، ومن بيده ناصية الإنس والجن من الشيطان ، ولذا أمر نبيه بالاستعاذة تعليما للعباد بقوله : * ( وقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ) * « 1 » .
قيل : وهذه الاستعاذة مطلقة غير مقيدة بحالة مخصوصة .
وأما قوله تعالى : * ( فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّه ) * « 2 » .
فهي استعاذة مخصوصة ، حيث إنّ لكلّ أحد ، وفي كل حالة ومقام شيطانا مخصوصا يجب الاستعاذة منه .
وأمّا الملجأ والمنجى والمعاذ فهو اللَّه الحي القيوم القادر القاهر المقتدر الذي قد وعد عباده بحفظهم من شرّ الشيطان ، وضرّه ووسوسته بمجرد الدخول في حصن
