نام کتاب : المحاضرات والمحاورات نویسنده : جلال الدين السيوطي جلد : 1 صفحه : 167
مكة إلى بلخ [1] ، فلما رآه ابن جريج عازما على ذلك ، قال له : أخّر يوما حتى أجمع بينك وبين أشراف مكة ، فأجاب إلى ذلك ، ودعا أشراف مكة [2] ، فلما أخذوا مجالسهم ، ومدت الأطعمة ، أقام ابن جريج على رأس عمر غلاما بديعا ، قد استحكم الأدب ، وقال له : إذا رأيت من هذا الخراساني عيبا فاعلمه . فقدم الوضوء إلى عمر ، فلما غسل يديه مس عارضه بيده اليمنى ، فقال له الغلام : أخطأت يا خراساني من مسّك عارضك بعد غسل يدك ، وأمره باعادة الغسل . فلما وضعت المائدة وقدّمت القصاع ، بدأ عمر يفتّ الخبز في المرقة ، فقال له الغلام ، أخطأت يا خراساني ، قال : فيم ؟ قال : في هشمك الثريد / قبل ذوقك له ، فانك لا تدري ما طعمه ، فلعلك تعافه ، فتكون قد أفسدته ، وإذا بدأت بذوقه ووافقك طعمه ، هشمت الثريد على علم منك بموافقته إياك ، قال : صدقت ، ثم ذوّق فيه فلقة خبز ، يتحرى بذلك ، فقال له الغلام : أخطأت يا خراساني ، قال : فيم ؟ قال : من مخالفة حديث النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلم حين قال : ( ابدأوا بالملح واختموا بالملح ثلاث لقم ) [3] ، لم يقل ابدأوا بالذوق ، قال : صدقت . فبدأ بالملح ، ثم عاد إلى الثريد ، فجعل يأكل ويمسح أصابعه بالمنديل في كل لقمة ، فقال له الغلام : أخطأت يا خراساني ، قال : فيم ؟ قال : مسحك الأصابع في كل لقمة بالمنديل ، ولعق الأصابع مما ندب النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم ، إليه قال : صدقت ، فلما قدم الإرز مزق عمر رقاقة يقي بها أصابعه حرّ الإرز ، فقال له الغلام : أخطأت يا خراساني ، قال : فيم ؟ قال : من رفعك اللقمة الحارة فتضعها في فيك حارة فتحرق ، وتستحي من أصحابك أن تلفظها فتبتلعها ، فتحرق معدتك ، ولا تدري كيف تخلص منها ، قال عمر : صدقت ، فخجل وأمسك . قال له الغلام : أخطأت يا خراساني . / قال : فيم ؟ قال في إمساكك عن الطعام قبل إمساك من على المائدة ، أو ما سمعت قول العرب : لا تكن أول من يمسك عن الطعام ، فيستحي منك من لم يستوف ، فيمسك لإمساكك ، ولا تكن آخر من يمسك فتنسب إلى النهم والرغابة ، فجعل عمر يساعد من على المائدة إلى أن استوفوا [4] . فلما رفعت المائدة ، وقرّب إليه الوضوء ، مد عمر يده اليسرى لأخذ الحرض [5] ، فقال
[1] بلخ : مدينة مشهورة بخراسان ، افتتحها الأحنف بن قيس من قبل عبد اللَّه بن عامر بن كريز ، في أيام عثمان بن عفان . ( ياقوت : بلخ ) . [2] قوله : فأجاب إلى ذلك ودعا أشراف مكة . ساقطة من ب ، ط . [3] الحديث بلفظ : ( ابدأوا بالملح واختموا بالملح ثلاث لقم ) في اتحاف السادة المتقين للزبيدي 5 / 218 . [4] في ب ، ط ، ش ، ل : استوفي . [5] الحرض : الاشنان ، ورماد إذا أحرق ورش عليه الماء انعقد وصار كالصابون ، تنظف به الأيدي والملابس ، وحجر الجير .
167
نام کتاب : المحاضرات والمحاورات نویسنده : جلال الدين السيوطي جلد : 1 صفحه : 167