الروح الأعظم الانساني ، سواء كان روحا فلكيا أو عنصريا أو حيوانيا ، و صورها صور تلك الحقيقة ولوازمها ، لذلك يسمى عالم المفصل بالانسان الكبير عند أهل الله لظهور الحقيقة الانسانية ولوازمها فيه ، ولهذا الاشتمال وظهور الاسرار الإلهية كلها فيها دون غيرها استحقت الخلافة [2] من بين الحقايق كلها . ولله در القائل : شعر سبحان من أظهر ناسوته [3] سر سنا لاهوته الثاقب [4] ثم بدا في خلقه ظاهرا في صورة الآكل والشارب فأول ظهورها في صورة العقل الأول الذي هو صورة اجمالية للمرتبة العمائية المشار إليها في الحديث الصحيح عند سؤال الأعرابي : ( أين كان ربنا قبل ان يخلق الخلق ؟ قال عليه السلام ، كان في عماء [5] ما فوقه هواء ولا تحته هواء ) . لذلك قال عليه السلام : ( أول ما خلق الله نوري ) وأراد العقل كما أيده بقوله : ( أول ما خلق الله العقل ) . ثم في صورة باقي العقول والنفوس الناطقة الفلكية وغيرها وفي صورة الطبيعة والهيولي الكلية والصورة الجسمية البسيطة والمركبة بأجمعها . و يؤيد ما ذكرنا قول أمير المؤمنين ولى الله في الأرضين قطب الموحدين على بن أبى طالب ، كرم الله وجهه ، في خطبة كان يخطبها للناس : ( انا نقطة باء بسم الله انا جنب الله الذي فرطتم فيه [6] وانا القلم وانا اللوح المحفوظ وانا العرش وانا الكرسي وانا السماوات السبع والأرضون ) . إلى ان صحافي أثناء الخطبة وارتفع عنه حكم تجلى الوحدة ورجع إلى عالم البشرية وتجلى له الحق بحكم الكثرة ، فشرع معتذرا فاقر بعبوديته وضعفه وانقهاره تحت احكام الأسماء الإلهية ولذلك قيل ، الانسان الكامل لا بد ان يسرى في جميع الموجودات كسريان الحق فيها و ذلك في السفر الثالث الذي من الحق إلى الخلق بالحق ، وعند هذا السفر يتم كماله وبه يحصل له حق اليقين . ومن هيهنا يتبين ان الآخرية هي عين الأولية و يظهر سر ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شئ عليم ) . قال
[2] - قال الشارح في شرحه لقصيدة ابن فارض : والكل خلفاء منه والخليفة لا بد ان يكون موصوفا بجميع الصفات الا الوجوب الذاتي . [3] - الناسوت ، الطبيعة الانسانية وهو الناس . زيد في آخره ( واو ) و ( تاء ) كملكوت وهو لغة سريانية . [4] - أي ، في هذه الطبيعة الناسوتية سر أضاء لاهوته الثاقب النافذ لان اللاهوت نافذ أو مفيض النور على الناسوت . [5] - العماء قد يطلق ويراد به المرتبة الأحدية ، وقد يطلق ويراد به الواحدية لان العماء هو الغيم الرقيق الحايل بين السماء والأرض ، وهذا المرتبة الأسماء والصفات الواقعة بين سماء الأحدية الصرفة وارض الكثرة الإمكانية ولذا يطلق عليها البرزخية الكبرى . وهذا أولى وأطبق بالحديث المذكور ، إذ هذه مرتبة الربوبية فان كل ممكن تحت تربية اسم من الأسماء الإلهية وهي أرباب الأنواع . 12 [6] - فيه إشارة إلى الآية الشريفة : ( يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله ) . أي ، بترك السعي في طلب الكمال والتقصير في الطاعة حين كنت في جوار الله قريبا منه لصفاء استعدادي و تمكني من السلوك فيه بوجود الآلات البدنية المعدة له . ( من تفسير الشيخ ) .