نام کتاب : المستصفى نویسنده : الغزالي جلد : 1 صفحه : 276
ولا يعرف قصده إلا بقوله أو بقرينة ثم نقول : إذا انقسمت أفعاله إلى الواجب والندب لم يكن من يحمل الكل على الوجوب متأسيا ومن يجعل الكل أيضا ندبا متأسيا ، بل كان النبي عليه السلام يفعل ما لا يدري فمن فعل ما لا يدري على أي وجه فعله لم يكن متأسيا . أما أبطال الحمل على الوجوب : فإن ذلك لا يعرف بضرورة عقل ولا نظر ، ولا بدليل قاطع ، فهو تحكم ، لان فعله متردد بين الوجوب والندب ، وعند من لم يوجب عصمته من الصغائر يحتمل الحظر أيضا ، فلم يتحكم بالحمل على الوجوب ولهم شبه : الأولى : قولهم لا بد من وصف فعله بأنه حق وصواب ومصلحة ولولاه لما أقدم عليه ولا تعيد به ، قلنا : جملة ذلك مسلم في حقه خاصة ليخرج به عن كونه محظورا ، وإنما الكلام في حقنا ، وليس يلزم الحكم بأن ما كان في حقه حقا وصوابا ومصلحة كان في حقنا كذلك ، بل لعله مصلحة بالإضافة إلى صفة النبوة أو صفة هو يختص بها ، ولذلك خالفنا في جملة من الجائزات والواجبات والمحظورات ، بل اختلف المقيم والمسافر والحائض والطاهر في الصلوات فلم يمتنع اختلاف النبي والأمة . الثانية : أنه نبي ، وتعظيم النبي واجب ، والتأسي به تعظيم ، قلنا : تعظيم الملك في الانقياد له فيما يأمر وينهي لا في التربع إذا تربع ، ولا في الجلوس على السرير إذا جلس عليه ، فلو نذر الرسول أشياء لم يكن تعظيمه في أن ننذرها مثل ما نذرها ، ولو طلق أو باع أو اشترى لم يكن تعظيمه في التشبه به . الثالث : أنه لو لم يتابع في أفعاله لجاز أن لا يتابع في أقواله ، وذلك تصغير لقدره وتنفير للقلوب عنه ، قلنا هذا هذيان ، فإن المخالفة في القول عصيان له ، وهو مبعوث للتبليغ حتى يطاع في أقاويله ، لان قوله متعد إلى غيره ، وفعله قاصر عليه ، وأما التنفير فقد بينا أنه لا التفات إليه ولو كان ترك التشبه به تصغيرا له لكنا تركنا للوصال ، وتركنا نكاح تسع بل تركنا دعوى النبوة تصغيرا ، فاستبان أن هذه خيالات ، وأن التحقيق أن الفعل متردد ، كما أن اللفظ المشترك كالقرء متردد ، فلا يجوز حمله على أحد الوجوه إلا بدليل زائد . الرابعة : تمسكهم بآي من الكتاب ، كقوله تعالى : * ( ونصروا ) * ( الانعام : 351 ) وأنه يعم الأقوال والافعال ، وكقوله تعالى : * ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) * ( النور : 36 ) وقوله : * ( وما آتاكم الرسول فخذوه ) * ( الحشر : 7 ) وأمثاله ، وجمع ذلك يرجع إلى قبول أقواله ، وغايته أن يعم الأقوال والافعال ، وتخصيص العموم ممكن ، ولذلك لم يجب على الحائض و المريض موافقته مع أنهم مأمورون بالاتباع والطاعة . الخامسة : وهي أظهرها تمسكهم بفعل الصحابة ، وهو أنهم واصلوا الصيام لما واصل وخلعوا نعالهم في الصلاة لما خلع ، وأمرهم عام الحديبية بالتحلل بالحلق فتوقفوا ، فشكا إلى أم سلمة ، فقالت أخرج إليهم واذبح واحلق ففعل ، فذبحوا وحلقوا مسارعين ، وإنه خلع خاتمه فخلعوا ، وبأن عمر كان يقبل الحجر ويقول : إني لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت النبي عليه السلام يقبلك ما قبلتك وبأنه قال في جواب من سأل أم سلمة عن قلبة الصائم فقال : ألا أخبرته أني أقبل وأنا صائم وكذلك الصحابة رضي الله عنهم بأجمعهم اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين ، فقالت عائشة رضي الله عنها : فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا فرجعوا إلى ذلك الجواب من وجوه .
نام کتاب : المستصفى نویسنده : الغزالي جلد : 1 صفحه : 276