الكون على أساسها.. على أن يبقى في
تصورهم ومشاعرهم أن مشيئة الله - مع هذا- طليقة، تبدع ما تشاء، وأن الله يفعل ما
يريد، ولو لم يكن جارياً على ما اعتادوا هم أن يروا المشيئة متجلية فيه، من السنن
المقررة والنواميس المطردة.. قال تعالى :﴿ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ
يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ
الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)﴾ (البقرة)،
وقال:﴿ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ
سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)﴾ (يس)
وبين ثبات السنن وطلاقة المشيئة، يقف
الضمير البشري على أرض ثابتة مستقرة، يعمل فيها، وهو يعلم طبيعة الأرض، وطبيعة
الطريق، وغاية السعي، وجزاء الحركة. ويتعرف إلى نواميس الكون، وسنن الحياة، وطاقات
الأرض، وينتفع بها وبتجاربه الثابتة فيها منهج علمي ثابت.. وفي الوقت ذاته يعيش
موصول الروح بالله، معلق القلب بمشيئته لا يستكثر عليها شيئاً، ولا يستبعد عليها
شيئاً، ولا ييأس أمام ضغط الواقع أبداً.. يعيش طليق التصور، غير محصور في قوالب
حديدية، يضع فيها نفسه، ويتصور أن مشيئة الله محصورة فيها.. وهكذا لا يتبلد حسه،
ولا يضمُر رجاؤه، ولا يعيش في إلف مكرور.
والمسلم يأخذ بالأسباب، لأنه مأمور
بالأخذ بها، ويعمل وفق السنة، لأنه مأمور بمراعاتها.. لا لأنه يعتقد أن الأسباب
والوسائل هي المنشئة للمسببات والنتائج.. فهو يرد الأمر كله إلى خالق الأسباب،
ويتعلق به وحده من وراء الأسباب، بعد أداء واجبه في الحركة والسعي والعمل واتخاذ
الأسباب.. طاعة لأمر الله.
وهكذا ينتفع المسلم بثبات السنن في بناء
تجاربه العلمية وطرائقه العملية، في التعامل مع الكون وأسراره وطاقاته ومدخراته،
فلا يفوته شيء من مزايا العلوم التجريبية والطرائق العملية، وهو في الوقت ذاته
موصول القلب بالله، حي القلب بهذا الاتصال، موصول الضمير بالمشاعر الأدبية
الأخلاقية، التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه، وتسمو بالحياة الإنسانية إلى أقصى
الكمال