أهله والمتصلين به،
ولا تحسب حساباً لملكات الجاني الذهنية، وقدرته على التفكير والتمييز والاختيار،
وتوجيه إرادته للفعل، ومدى اتصال ذلك كله بالفعل المحرم وأثره عليه.
وقد ظلت هذه المبادئ سائدة في القوانين
الوضعية حتى جاءت الثورة الفرنسية فزعزعت هذه الأوضاع، وأخذت تحل محلها من ذلك
الحين مبادئ جديدة، تقوم على أساس العدالة وعلى جعل الإدراك والاختيار أساساً
للمسئولية، فأصبح الإنسان الحي وحده هو محل المسئولية الجنائية، وأصبحت العقوبة
شخصية لا تصيب إلا من أجرم ولا تتعداه إلى غيره، ورفعت المسئولية عن الأطفال الذين
لم يميزوا، ووضعت عقوبات بسيطة للأطفال المميزين، وارتفعت المسئولية عن المكرَه
وفاقد الإدراك، وأصبح من المبادئ الأساسية في القوانين أن لا جريمة ولا عقوبة إلا
بقانون، وأن لا عقوبة إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القوانين، وقيدت حرية القضاة
في اختيار العقوبة وتقديرها.
قلنا: فالثورة الفرنسية إذن هي التي حققت
العدل، ومحت الجور.
قال: لا.. لقد سبقها إلى ذلك الإسلام..
فمن يعرف شيئاً قليلاً عن الشريعة الإسلامية يستطيع أن يقول وهو آمن من الخطأ إن
كل هذه المبادئ الحديثة التي لم تعرفها القوانين الوضعية إلا في القرن التاسع عشر
والقرن العشرين، قد عرفتها الشريعة من يوم وجودها، وإنها من المبادئ الأساسية التي
تقوم عليها الشريعة.
فالشريعة لا تعرف محلاً للمسئولية إلا
الإنسان الحي المكلَّف، فإذا مات سقطت عنه التكاليف ولم يعد محلاً للمسئولية.
والشريعة تعفي الأطفال إلا إذا بلغوا
الحلم مما لا يعفى من الرجال، لقوله تعالى :﴿ وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ
الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ (النور: 59)، ولقول
الرسول a:(