الحق ، وكيف يمكن أن يتكلم أمير المؤمنين عليه السلام مع ارتفاع شأنه وعلو مكانه وغاية بلاغته ، بهذه العبارات الصريحة فيا قلناه ، ويريد به المعنى البعيد الذي لا يخطر ببال أحد ، الا من ابتلي بمرض التقليد ذلك ظن الذين لا يوقنون . وقوله ( لكنه ترك حقه لما علمه من المصلحة ) أقول : المصلحة التي ترك لها حقه حقن دمه ودماء شيعته ، لا ما زعمه الشارح ، ويشهد بما قلناه تظلماته على المنابر ، وما ورد من أن عمر أتى بالنار ليحرق عليهم الدار . ومما يدل أيضا على بطلان قولهم بتحقق الاجماع على خلافة أبي بكر ، ما رواه الخاصة والعامة ، أن أبا بكر قال على المنبر : أقيلوني لست بخيركم [1] . ووجه الدلالة : أنه اقرار منه بعدم استحقاقه للخلافة ، فإن كان صادقا في اقراره ، فلا وجه للاجماع على امامة غير المستحق . وإن كان كاذبا ، فلا معنى للاجماع على امامة الكاذب . ومما يدل أيضا على عدم الاجماع ، ما رواه المخالف والموافق عن عمر أنه قال : كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه [2] . ووجه الدلالة : أن عمر اعترف بأن بيعة أبي بكر كانت فلتة ، يعني فجأة عن خطأ لا عن تدبر ، ومع هذا أفتى بكونها شرا ، وبقتل من عاد إلى مثلها ، فكيف يجوز تحقق الاجماع على خلافة أبي بكر ؟ مع أن الاجماع على الخطأ محال ، فلابد للمخالفين أن يلتزموا أحد أمرين : إما عدم تحقق الاجماع على خلافة أبي بكر ، أو جهالة عمر وكذبه وعدم قابليته للخلافة .
[1] راجع : الطرائف ص 402 . [2] صحيح البخاري 4 : 179 ، باب رجم الحبلى من الزنا ، وسيرة ابن هشام 2 : 658 ، والصراط المستقيم 2 : 302 .