إن عصرا تلغى فيه قيمة الفوارق المادية على الإطلاق ، ويستوي فيه الحاكم والمحكوم في نظر القانون [1] ، ومجالات تنفيذه ، ويجعل مدار القيمة المعنوية ، والكرامة المحترمة فيه تقوى الله [2] التي هي تطهير روحي ، وصيانة للضمير ، وارتفاع بالنفس إلى آفاق من المثالية الرفيعة ، ويحرم في عرفه احترام الغني لأنه غني ، وإهانة الفقير لأنه فقير ، ولا يفرق فيه بين الأشخاص إلا بمقدار الطاقة الانتاجية ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) [3] . ويتسارع فيه إلى لجهاد لصالح النوعي الإنساني الذي معناه إلغاء مذهب السعادة الشخصية في هذه ا لدنيا ، وإخراجها عن حساب الأعمال [4] . ( أقول ) إن العصر الذي تجتمع له كل هذه المفاخر لهو خليق بالتقديس والتبجيل والإعجاب والتقدير ، ولكن ماذا أراني دفعت إلى التوسع في أمر لم أكن أريد أن أطيل فيه ؟ وليس لي أن أفرط في جنب الموضوع الذي أحاوله بالتوسع في أمر آخر ، ولكنها الحماسة لذلك العصر هي التي دفعتني إلى ذلك ، فهو بلا ريب زين العصور في الروحانية والاستقامة . أنا أفهم هذا
[1] راجع الحادثة التاريخية المشهورة في موقف الإمام علي عليه السلام في مجالس القضاء ، وكذلك ما جرى عليه الأمر في تاريخ القضاء الإسلامي . لاحظ الإشارة إلى ذلك في شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16 : 269 . [2] إشارة إلى قوله تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات / 13 . [3] البقرة / 286 . [4] إشارة إلى الاستعداد للتضحية بالغالي والنفيس من أجل الإسلام ورفع الظلم ونصرة المستضعفين كما في قوله تعالى : ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره . . . ) التوبة / 24 .