أحمد زكي حول هذه الشبهة بقوله : « قبل أن نتعرّض للشك الرابع نورد لك ما ذكره ابن أبي الحديد بشأن الخطبة الشقشقية ، قال عقب شرحها : « حدثني شيخي أبو الخير مصدق بن شبيب الواسطي في سنة ثلاث وستمائة ، قال : قرأت على الشيخ ابن الخشاب هذه الخطبة فقلت له : أتقول إنها منحولة فقال : لا واللَّه ، إني لأعلم أنّها كلامه كما أعلم انك مصدق . قال : فقلت له : إن كثيرا من الناس يقولون إنها من كلام الرضيّ رحمه اللَّه ، فقال أنى للرضي ولغير الرضيّ هذا النّفس وهذا الأسلوب قد وقفنا على رسائل الرضيّ وعرفنا طريقته وفنّه في الكلام المنثور وما يقع مع هذا الكلام في خل ولا خمر . ثم قال : والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صنّفت قبل ان يخلق الرضي بمائتي سنة . ولقد وجدتها مسطورة بخطوط أعرفها وأعرف خطوط من هو من العلماء وأهل الأدب قبل ان يخلق النقيب أبو أحمد والد الرضي . قلت : وقد وجدت أنا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا أبي القاسم البلخي إمام البغداديين من المعتزلة . وكان في دولة المقتدر قبل ان يخلق الرضي بمدة طويلة . ووجدت أيضا كثيرا منها في كتاب أبي جعفر بن قبة أحد متكلَّمي الامامية . وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب الانصاف . وكان أبو جعفر هذا من تلامذة الشيخ أبي القاسم البلخي ومات في ذلك العصر قبل ان يكون الرضي رحمه اللَّه موجودا » . من ذلك يتبيّن لك أن الشقشقية كانت معروفة قبل مولد الرضي من أكثر من طريق . فلا تبعة إذن عليه ، ولا سبيل إلى اتهامه بانتحالها . ولكنا مع ما نرى فيها من جزالة اللفظ وروعة الأسلوب التي تغرينا ان ننظمها مع كلام علي في سلك . نتراجع حين يبدو لنا شبح الشك ماثلا فيها . أجل يستوقفنا منها - ثم ذكر مؤاخذات الامام على بعض الصحابة وعدّدها ، ونحن نكتفي بالأوّل منها وللتفصيل يراجع الشرح - قال : وقد عرّض لعمر رضى اللَّه عنه بقوله : « فمني الناس - لعمر الله - بخبط وشماس ، وتلوّن واعتراض » فما كان عمرا البتة خابطا ولا متلوّنا ولا جانحا عن الطريق السويّ ، وما عرف عنه من ذلك قليل ولا كثير » [1] . وأقلّ ما يقال في كلامه : إنّه تغافل عن أحداث التاريخ الاسلامي في عصر الرسالة
[1] ترجمة علي بن أبي طالب : 134 - 135 . وانظر شرح ابن الحديد 1 : 206 .