نام کتاب : تصنيف نهج البلاغة نویسنده : لبيب بيضون جلد : 1 صفحه : 161
وَبَنِينَ ، نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ) * . فإنّ اللَّه سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم ، بأوليائه المستضعفين في أعينهم . ( الخطبة 190 ، 2 ، 362 ) . . . ولو أراد اللَّه سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذّهبان ، ومعادن العقيان ، ومغارس الجنان . وأن يحشر معهم طيور السّماء ووحوش الأرضين ، لفعل . ولو فعل لسقط البلاء ، وبطل الجزاء ، واضمحلَّت الأنباء . ولما وجب للقابلين أجور المبتلين ، ولا استحقّ المؤمنون ثواب المحسنين ، ولا لزمت الأسماء معانيها . ولكنّ اللَّه سبحانه جعل رسله أولي قوّة في عزائمهم ، وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم ، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى ، وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى . ولو كانت الأنبياء أهل قوّة لا ترام وعزّة لا تضام ، وملك تمدّ نحوه أعناق الرّجال ، وتشدّ إليه عقد الرّحال ، لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار ، وأبعد لهم في الاستكبار ، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم ، أو رغبة مائلة بهم . فكانت النّيّات مشتركة والحسنات مقتسمة . ولكنّ اللَّه سبحانه أراد أن يكون الاتّباع لرسله والتّصديق بكتبه ، والخشوع لوجهه والاستكانة لأمره والاستسلام لطاعته ، أمورا له خاصّة لا تشوبها من غيرها شائبة . وكلَّما كانت البلوى والاختبار أعظم ، كانت المثوبة والجزاء أجزل . ( الخطبة 190 ، 2 ، 363 ) ألا ترون أنّ اللَّه سبحانه ، اختبر الأوّلين من لدن آدم - صلوات اللَّه عليه - إلى الآخرين من هذا العالم ، بأحجار لا تضرّ ولا تنفع ، ولا تبصر ولا تسمع ( يعني الكعبة المشرفة ) . . . فجعلها بيته الحرام الَّذي جعله للنّاس قياما . ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرا . . . ثمّ أمر آدم عليه السّلام وولده أنّ يثنوا أعطافهم نحوه . . ابتلاء عظيما وامتحانا شديدا ، واختبارا مبينا وتمحيصا بليغا ، جعله اللَّه سببا لرحمته ، ووصلة إلى جنّته . ولو أراد سبحانه أن يضع بيته الحرام ومشاعره العظام ، بين جنّات وأنهار وسهل وقرار ، جمّ الأشجار داني الثّمار ملتفّ البنى متّصل القرى ، بين برّة سمراء وروضة خضراء ، وأرياف محدقة وعراص مغدقة ، ورياض ناضرة وطرق عامرة ، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء . ولو كان الأساس المحمول عليها ، والأحجار
161
نام کتاب : تصنيف نهج البلاغة نویسنده : لبيب بيضون جلد : 1 صفحه : 161