بيعته كانت فلتة [1] وأنها لم تكن برضى ولا باختيار ، وهو أخوه وصاحبه ، والذي أقامه ذلك المقام ، وفي مخاطبته المهاجرين والأنصار ما يدل على ما ذكرناه . [2]
[1] - كما تقدم وسيأتيك بالتفصيل . [2] - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج ، ج 2 ، ص 22 ، نقلا عن أبي جعفر الطبري العامي ، في التاريخ : عن ابن عباس رضي الله عنه : قال : قال لي عبد الرحمن بن عوف : وقد حججنا مع عمر ، شهدت اليوم أمير المؤمنين بمنى وقال له رجل : إني سمعت فلانا يقول : لو قد مات عمر لبايعت فلانا ، فقال عمر : إني لقائم العشية في الناس أحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغتصبوا الناس أمرهم ، قال عبد الرحمن : فقلت : يا أمير المؤمنين إن الموسم مجمع رعاع الناس وغوغائهم وهم الذين يقربون من مجلسك ويغلبون عليه وأخاف أن تقول مقالة لا يعونها ولا يحفظونها فيطيروا بها ، ولكن أمهل حتى تقدم المدينة وتخلص بأصحاب رسول الله فتقول ما قلت متمكنا فيسمعوا مقالتك ، فقال : والله لأقومن بها أول مقام أقومه بالمدينة . قال ابن عباس فلما قدمناها ، هجرت يوم الجمعة لحديث عبد الرحمن ، فلما جلس عمر على المنبر حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال بعد أن ذكر الرجم وحد الزنا : إنه بلغني أن قائلا منكم يقول ( 1 ) : لو مات أمير المؤمنين بايعت فلانا ، فلا يغرن امرأ أن يقول : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة ، فلقد كانت كذلك ، ولكن الله وقى شرها ، وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق كأبي بكر ، وأنه كان من خبرنا حين توفى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، أن عليا والزبير تخلفا عنا في بيت فاطمة ومن معهما ، وتخلفت عنا الأنصار ، واجتمع المهاجرين إلى أبي بكر ، فقلت له : انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ، فانطلقنا نحوهم فلقينا رجلان صالحان من الأنصار قد شهدا بدرا ، أحدهما عويم بن ساعدة ، والثاني معن بن عدي ، فقالا لنا : ارجعوا فاقضوا أمركم بينكم ، فأتينا الأنصار ، وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة وبين أظهرهم رجل مزمل ، فقلت من هذا ؟ قالوا : سعد بن عبادة وجع ، فقام رجل منهم ، فحمد الله وأثنى عليه فقال : أما بعد فنحن الأنصار ، وكتيبة الاسلام وأنتم يا معشر قريش رهط نبينا ، قد دفت إلينا دافة من قومكم ، فإذا أنتم تريدون أن تغصبونا الامر . فلما سكت ، وكنت قد زورت في نفسي مقالة أقولها بين يدي أبي بكر ، فلما ذهبت أتكلم ، قال أبو بكر : على رسلك ! ، فقام فحمد الله وأثنى عليه ، فما ترك شيئا كنت زورت في نفسي إلا جاء به أو بأحسن منه ، وقال : يا معشر الأنصار إنكم لا تذكرون فضلا إلا وأنتم له أهل ، وإن العرب لا تعرف هذا الامر إلا لقريش أوسط العرب دارا ونسبا ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين وأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح ، والله ما كرهت من كلامه غيرها إن كنت لأقدم فتضرب عنقي فيما لا يقربني إلى إثم أحب إلي من أؤمر على قوم فيهم أبو بكر ، فلما قضى أبو بكر كلامه ، قام رجل من الأنصار فقال : أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير . أقول : للكلام تتمة ذكرها ابن أبي الحديد لا يأس بالمراجعة بها فأعرضنا عنها لطولها فراجع . كما ذكره عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه ج 5 ص 443 و 444 . ( 1 ) قال ابن أبي الحديد : وقال شيخنا أبو القاسم البلخي : قال شيخنا أبو عثمان الجاحظ : إن الرجل الذي قال : لو قد مات عمر لبايعت فلانا عمار بن ياسر ، قال : لو قد مات عمر لبايعت عليا ( عليه السلام ) فهذا القول هو الذي هاج عمر أن خطب بما خطب به .