التلف لامتناعها على السباع واستمرارها بالرعي ، لا تتعرض لها ولا تلتقط ، لأن العادة جرت بطلب مالكها لها حيث فقدها ، أما إذا كانت فاقدة الأمرين فيجوز التقاطها ، وفي الصورتين راعى الشارع الأقدس مصلحة المال والمالك ، والحكمان حكمان ثابتان لا يقبلان التغيير إلى يوم القيامة . وروي عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ( عليهما السلام ) أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قضى في رجل ترك دابته من جهد ، قال : ( إن تركها في كلأ وماء وأمن فهي له يأخذها حيث أصابها ، وإن تركها في خوف وعلى غير ماء ولا كلأ فهي لمن أصابها ) . وفي خبر مسمع عنه ( عليه السلام ) ، أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يقول في الدابة إذا سرحها أهلها أو عجزوا عن علفها أو نفقتها فهي للذي أحياها . قال وقضى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في رجل ترك دابته في مضيعة فقال : إن كان تركها في كلأ وماء وأمن فهي له ، يأخذها متى شاء ، وإن تركها في غير كلأ وماء فهي للذي أحياها ) . وأما امتناع الرسول ( صلى الله عليه وآله ) عن التسعير فلا يستفاد منه الإطلاق ، وأنه كان ممتنعا عنه ولو عرض مثل الحنطة وأشباهها ، مما يتقوم به الحياة والمعاش بسعر لا يستطيع أكثر الناس شراءه ، ويقعون بذلك في الحرج والمشقة الشديدة والمجاعة . هذا مضافا إلى أن أكثر الموارد التي استشهد بها هذا الكاتب وغيره على اجتهاد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وكون حكمه حكما موسميا ورأيا رآه دون أن يكون مستمدا من الوحي ، هي موارد دار الأمر فيها بين ارتكاب أحد المحذورين الشرعيين والمتزاحمين ، فرجح ( صلى الله عليه وآله ) ارتكاب المحذور الأخف ، في ضوء إرشادات الشارع وتعاليمه . والحاصل أن هذه الأمور لا تعد من التغيير وليست به ، وهكذا عمل القاضي شريح ، مضافا إلى أنه ليس بحجة ، فقد بقي قاضيا إلى عصر غلبة بني أمية ، العصر الذي سلب فيه الناس حرياتهم الإسلامية ، ولم يكن لأحد حق النصيحة لعمال الحكومة وقضاتها ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بتعريض ماله ونفسه وخاصته للنهب ، وأنواع التعذيب والقتل ، مضافا إلى ذلك فإنه يمكن حمل عمل شريح على هذه المحامل إن كان هو ممن يفهم هذه الأمور ، فمثلا قوله ( صلى الله عليه وآله ) : البينة على المدعي واليمين على من أنكر ،