والفرق بين حكم الحاكم وحكم الشارع أن الأول غيري موقت شرع جوازه من الشارع حفظا لنظام الدين ومصالح المسلمين ، والثاني حكم ثابت نفسي ، نسبته إلى الأحكام الحكومية كنسبة الأصل إلى الفرع والهدف إلى الوسيلة ، والأول لا يستند بنفسه إلى الله تعالى بل إلى الحاكم نبيا كان أم غيره ، نعم جواز حكمه وجواز حكومته ووجوب إطاعته من الأحكام الشرعية الثابتة التي لا تقبل التغيير . ولكن مع ذلك فإن للأحكام الحكومية الصادرة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قداسة ليست لغيرها ، فلا يجوز تغييرها لأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) لا يحكم إلا بوحي من الله تعالى على ما نص به القرآن الكريم ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) وأكد لزوم التأسي به في قوله تعالى ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ) فالنبي ( صلى الله عليه وآله ) في صيانة الله وحفظه عن الخطأ في أحكامه وجميع أفعاله وأقواله ، سواء كان في الشرعيات أو الإخبار بالملاحم وحالات الأمم الآتية والماضية ، وأحوال الملائكة ، وكيفيات عالم الغيب مثل الجنة والنار ، أو بيان المعارف والأخلاقيات ، أو الأحكام الحكومية . لكن القوم حيث رأوا أن بعض الصحابة قد تجرأ على التصرف في الأحكام الإلهية والرد على النبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) فأنكر عليه صلح الحديبية ، ولم يقبل منه تشريع متعة الحج وحرمها ، وحرم متعة النساء بعد ارتحال الرسول ( صلى الله عليه وآله ) إلى الرفيق الأعلى ، ومنع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من كتابة وصيته ، وقال كلمته الخبيثة التي لا ننقلها تأدبا وحذرا من التعدي على ساحة صاحب الخلق العظيم ، الرسول الرؤف الرحيم ، صلوات الله عليه وعلى آله ، وغير ذلك مما فعل أو قال هو أو غيره - لما رأوا ذلك - استهانوا بمخالفة النصوص الشرعية ، والسنة النبوية ، ونسبوا الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) إلى الاشتباه والخطأ ! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . ثم إن الأمثلة التي ذكرها لإثبات مرامه كلها قابلة للمناقشة لا يثبت بها مدعاه . فالمنع عن التقاط ضالة الإبل وإجازة التقاطها أيضا ليس من قبيل تغيير الحكم ، بل يمكن الجمع بينهما بأن مورد المنع عن الالتقاط غير مورد الجواز ، فإذا لم يخش على الإبل