5 - إن من الواضح : أن علياً « عليه السلام » الذي ينظر إلى الأمور بعين البصيرة ، والعقل ، ونور الحكمة لم يكن يحتاج في إيمانه إلى رؤية خوارق ومعجزات . أما أولئك الذين ينظرون إلى الأمور من موقع الأهواء ، والعصبيات ، والجهل ، فإنهم يحتاجون إلى الصدمة التي تسد على نفوسهم الإمارة منافذ التحايل على العقل ، وتمنعها من التغرير به ، واستخدامه في صناعة وسائل الصد عن الحق ، وإثارة الشبهات . وتزيين الباطل . . ولأجل ذلك نقول : إن المؤمنين الحقيقيين هم العقلاء حقاً . ومن هنا عرفنا أيضا أن الخوارج كانوا أخفاء الهام سفهاء الأحلام . ولأجل ذلك أيضاً كان معاوية يعمل على أن يستخف قومه ليطيعوه ، تماماً كما فعل فرعون مع قومه . ومن الواضح : أن الإيمان حين يأتي عن طريق الصدمة ، فإنه لا يكون له ذلك الرسوخ والعمق . و سرعان ما تعود النفس الأمارة بعد هدوء الحال إلى محاولاتها لتزوير الحقيقة . ولأجل ذلك نلاحظ : أن الذين كانوا يطلبون المعجزات من الأنبياء كان إيمانهم سطحياً ، ومدخولاً ، ومشوباً إلى درجة كبيرة . أما الإيمان العميق والصحيح فهو إيمان أولئك الذين عرفوا الحق بفطرتهم ، ولمسوه بوجدانهم ، وعاينوه بعين بصيرتهم . وبذلك نستطيع أن نفهم بعمق كيف أنه بعد أن فرغ علي « عليه السلام » من أهل النهروان ، وخطب الناس بالنخيلة : قام إليه رجل منهم ، فقال : « ما أحوج أمير المؤمنين اليوم إلى أصحاب النهروان ، ثم تكلم الناس من كل ناحية ولغطوا » [1] .
[1] الشيعة في التاريخ ص 42 عن شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 146 .