هاهنا أمرٌ لك فيه فرج : أدفع إليك هذه الأربعة العشر ألف ، فإن جاء موسم قابل ولم توف حقي الأول وهذا ، فولاية السقاية إليَّ ، فأقوم بها وأكفكيك هذه المؤنة إذْ عجزت عنها ! فأنعم له أبو طالب بذلك ، فقال : ليحضر هذا الأمر بنو فاطمة ولا أريد سائر بني هاشم ، ففعل أبو طالب وأعاره العباس الأربعة عشر الألف بمحضر منهم ورضاً ، فلما كان الموسم العام المقبل لم يكن بد من إقامة السقاية فقال العباس لأبي طالب : قد أفد الحج وليس لدفع حقي إلي وجه ، وأنت لا تقدر أن تقيم السقاية فدعني وولايتها أكفكها وأبريك من حقي ففعل ، فكان العباس بن عبد المطلب يليها وأبو طالب حيٌّ ، ثم تم لهم ذلك إلى اليوم » . أقول : صاحب هذا الكلام محمد بن سلام الجمحي من أتباع المتوكل توفي 231 ، ولم يسنده إلى أحد حتى إلى مجاهد تلميذ ابن عباس ! فالرواية موظفة لإثبات أن العباسيين اشتروا السقاية من أبي طالب الذي أوصى له بها عبد المطلب ! والذي حدث أنه لما توفي أبو طالب وهاجر النبي « صلى الله عليه وآله » وحمزة وجعفر وعلي ، بقي العباس في مكة فتصدى للسقاية ، ولما فتح النبي « صلى الله عليه وآله » مكة سكت عن السقاية ! بل رووا أنه « صلى الله عليه وآله » كره أن يشرب من سقاية العباس ، لأنه كان يضع عنباً أو زبيباً : « عطش النبي ( ص ) حول الكعبة فاستسقى ، فأتي بنبيذ من السقاية فشمَّه فَقَطِّب ! فقال عليَّ بذَنوبٍ من زمزم فصب عليه ثم شرب » . ( فتح الباري : 10 / 34 ، والنسائي ) . ولما افتخر العباس على علي وحمزة بالسقاية ، نزل قوله تعالى : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ » . ( الكافي : 8 / 203 ) .