المهاجرين هاجر إلا مختفياً ، إلا عمر بن الخطاب ، فإنه لما هم بالهجرة تقلد بسيفه ، وتنكب قوسه ، وانتضى في يديه أسهماً ، واختصر عنزته ، ومضى قِبَل الكعبة ، والملأ من قريش بفنائها ، فطاف بالبيت سبعاً ، ثم أتى المقام فصلى ركعتين ، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة . فقال : شاهت الوجوه ، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس ، فمن أراد أن تثكله أمه ، أو يؤتم ولده ، أو ترمل زوجته ، فليلقني وراء هذا الوادي . قال علي رضي الله عنه : فما تبعه أحد ، ثم مضى لوجهه . ونحن نقطع بعدم صحة هذا الكلام . لأن عمر لم يكن يملك مثل هذه الشجاعة ، وذلك : أولاً : لما تقدم في حديث إسلامه عن البخاري وغيره ، من أنه حين أسلم اختبأ في داره خائفاً ، حتى جاءه العاص بن وائل ، فأجاره ، فخرج حينئذٍ . وفي بدر تكلم وأساء الكلام ، حيث كان يجبن النبي ( صلى الله عليه وآله ) والمسلمين . ثانياً : إن مواقفه الحربية كانت عموماً غير مشجعة لنا على تصديق مثل هذا الكلام فلقد فر في أحد ، وفر في حنين ، رغم أنه يرى الخطر يتهدد الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) فلا يلتفت إليه ، ولا يفكر إلا في الحفاظ على نفسه . وأما فراره في خيبر فهو أعجب وأعجب حيث إنه كان معه من يدافع ويحامي عنه . أما في واقعة الخندق ففر فيها أيضاً كما أنه لم يجرؤ على الخروج إلى عمرو بن عبد ود . وحينما أخذ النبي ( صلى الله عليه وآله ) سيفاً في أحد ، وقال : من يأخذ هذا السيف بحقه ، طلبه أبو بكر ، وعمر فلم يعطهما إياه . وأعطاه أبا دجانة . إلى غير ذلك مما لا مجال له هنا . والغريب في الأمر : أننا لم نر ولم نسمع : أن عمر ، وأبا بكر ، وعثمان قد قتل واحد منهم أحداً ، أو بارز إنساناً ، وما ذكر من ذلك قد ثبت عدم