فَمَعْرِفَةُ الْإِضَافَةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى تَصَوُّرِ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ ؛ لَكِنْ قَدْ لَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ عَالِماً بِالْإِضَافَةِ وَلَا كَوْنِهِ دَلِيلاً ، فَإِذَا تَصَوَّرَهُ عَرَفَ الْمَدْلُولَ إذَا عَرَفَ أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ ، وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ آيَاتٌ وَدَلَائِلُ لِلْخَالِقِ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ ؛ حَتَّى يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذِهِ دَلَائِلُ مُسْتَلْزِمَةٌ لَهُ .وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذِهِ الطُّرُقَ الْعَقْلِيَّةَ الْفِطْرِيَّةَ هِيَ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْقُرْآنُ ، وَاتَّفَقَ الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ ، وَتَلَازَمَ الرَّأْيُ وَالسَّمْعُ .والمتفلسفة كَابْنِ سِينَا الرَّازِي وَمَنْ اتَّبَعَهُمَا ، قَالُوا : إنَّ طَرِيقَ إثْبَاتِهِ الِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِالْمُمْكِنَاتِ ، وَإِنَّ الْمُمْكِنَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَاجِبٍ ، قَالُوا : وَالْوُجُودُ إمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُمْكِنٌ ، وَالْمُمْكِنُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَاجِبٍ ، فَيَلْزَمُ ثُبُوتُ الْوَاجِبِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ ؛ وَهَذِهِ الْمَقَالَةُ أَحْدَثَهَا ابْنُ سِينَا ، وَرَكَّبَهَا مِنْ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَكَلَامِ سَلَفِهِ ؛ فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ قَسَّمُوا الْوُجُودَ إلَى قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ ، وَقَسَّمَهُ هُوَ إلَى وَاجِبٍ وَمُمْكِنٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفَلَكَ عِنْدَهُ لَيْسَ مُحْدَثاً ؛ بَلْ زَعَمَ أَنَّهُ مُمْكِنٌ .وَهَذَا التَّقْسِيمُ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ أَحَدٌ مِن الفَلَاسِفَةِ ، بَلْ حُذَّاقُهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ خَطَأٌ ، وَأَنَّهُ خَالَفَ سَلَفَهُ وَجُمْهُورَ الْعُقَلَاءِ وَغَيْرَهُمْ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي مَوَاضِعَ أَنَّ الْقِدَمَ وَوُجُوبَ الْوُجُودِ ، مُتَلَازِمَانِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُقَلَاءِ ، الْأَوَّلِينَ والآخرين ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ نِزَاعٌ فِي ذَلِكَ ، إلَّا مَا أَحْدَثَهُ هَؤُلَاءِ فَإِنَّا نَشْهَدُ حُدُوثَ مَوْجُودَاتٍ كَثِيرَةٍ ، حَدَثَتْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ ، وَنَشْهَدُ عَدَمَهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ ، وَمَا كَانَ مَعْدُوماً أَوْ سَيَكُونُ مَعْدُوماً لَا يَكُونُ وَاجِبَ الْوُجُودِ ، وَلَا قَدِيماً أَزَلِيّاً .ثُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ إذَا قُدِّرَ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا وَاجِبَ الْوُجُودِ فَلَيْسَ فِي دَلِيلِهِمْ أَنَّهُ مُغَايِرٌ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَفْلَاكِ ، وَهَذَا مِمَّا بَيَّنَ تَهَافُتَهُمْ فِيهِ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ ، لَكِنَّ