وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ : الظُّلْمُ إضْرَارٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعَاقِبُ أَحَداً بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ : هُوَ نَقْصُ الْحَقِّ ، وَذُكِرَ أَنَّ أَصْلَهُ النَّقْصُ ، كَقَوْلِهِ : { كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً } .وَأَمَّا مَنْ قَالَ : هُوَ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ ، فَهَذَا لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ وَلَا مُنْعَكِسٍ ، فَقَدْ يَتَصَرَّفُ الْإِنْسَانُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِحَقٍّ وَلَا يَكُونُ ظَالِماً ، وَقَدْ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَيَكُونُ ظَالِماً ، وَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ .وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ : فِعْلُ الْمَأْمُورِ خِلَافُ مَا أُمِرَ بِهِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، إنْ سُلِّمَ صِحَّةُ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ فَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، وَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ الظُّلْمَ ، فَهُوَ لَا يَفْعَلُ خِلَافَ مَا كَتَبَ ، وَلَا يَفْعَلُ مَا حَرَّمَ .وَلَيْسَ هَذَا الْجَوَابُ مَوْضِعَ بَسْطِ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي نَبَّهْنَا عَلَيْهَا فِيهِ ، وَإِنَّمَا نُشِيرُ إلَى النُّكَتِ .وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ الْقَوْلُ الْمُتَوَسِّطُ : وَهُوَ أَنَّ الظُّلْمَ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ ، مِثْلُ أَنْ يَتْرُكَ حَسَنَاتِ الْمُحْسِنِ فَلَا يُجْزِيهِ بِهَا ، وَيُعَاقِبَ الْبَرِيءَ عَلَى مَا لَمْ يَفْعَلْ مِنْ السَّيِّئَاتِ ، وَيُعَاقِبَ هَذَا بِذَنْبِ غَيْرِهِ ، أَوْ يَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِغَيْرِ الْقِسْطِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ الرَّبُّ عَنْهَا ، لِقِسْطِهِ وَعَدْلِهِ ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ الْحَمْدَ وَالثَّنَاءَ ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ هَذَا الظُّلْمَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ ، وَكَمَا أَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْ صِفَاتِ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ ، فَهُوَ أَيْضاً مُنَزَّهٌ عَنْ أَفْعَالِ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ .وَعَلَى قَوْلِ الْفَرِيقِ الثَّانِي : مَا ثَمَّ فِعْلٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْهُ أَصْلاً ، وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ مُتَكَلِّمُو الْإِثْبَاتِ لَمَّا نَاظَرُوا مُتَكَلِّمَةَ النَّفْيِ أَلْزَمُوهُمْ لَوَازِمَ لَمْ يَنْفَصِلُوا عَنْهَا إلَّا بِمُقَابَلَةِ الْبَاطِلِ بِالْبَاطِلِ .وَهَذَا مِمَّا عَابَهُ الْأَئِمَّةُ وَذَمُّوهُ ، كَمَا عَابَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالزَّبِيدِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَغَيْرُهُمْ مُقَابَلَةَ الْقَدَرِيَّةِ بِالْغُلُوِّ فِي الْإِثْبَاتِ ، وَأَمَرُوا بِالِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَكَمَا عَابُوا أَيْضاً عَلَى مَنْ قَابَلَ الْجَهْمِيَّةَ نُفَاةِ الصِّفَاتِ بِالْغُلُوِّ فِي الْإِثْبَاتِ ،