responsiveMenu
فرمت PDF شناسنامه فهرست
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
نام کتاب : الفتاوى الكبرى نویسنده : ابن تيمية    جلد : 1  صفحه : 81


ظَالِمٍ لَهُمْ ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ لَهُمْ خَيْراً مِنْ أَعْمَالِهِمْ } .
يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَذَابَ لَوْ وَقَعَ لَكَانَ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ ذَلِكَ ، لَا لِكَوْنِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ ، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ مِنْ الظُّلْمِ الْمَنْفِيِّ عُقُوبَةَ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ .
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ ، مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ } .
يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الْعِقَابَ لَمْ يَكُنْ ظُلْماً لِاسْتِحْقَاقِهِمْ ذَلِكَ ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُرِيدُ الظُّلْمَ .
وَالْأَمْرُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُمْدَحَ الْمَمْدُوحُ بِعَدَمِ إرَادَتِهِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمَدْحُ بِتَرْكِ الْأَفْعَالِ إذَا كَانَ الْمَمْدُوحُ قَادِراً عَلَيْهَا ، فَعُلِمَ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى مَا نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ مِنْ الظُّلْمِ ، وَأَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ .
وَبِذَلِكَ يَصِحُّ قَوْلُهُ : { إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي } ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ هُوَ الْمَنْعُ ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا هُوَ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ حَرَّمْت عَلَى نَفْسِي أَوْ مَنَعْت نَفْسِي مِنْ خَلْقِ مِثْلِي ، أَوْ جَعَلَ الْمَخْلُوقَاتِ خَالِقَةً وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَالَاتِ .
وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مَا يَكُونُ مَعْنَاهُ : إنِّي أَخْبَرْت عَنْ نَفْسِي بِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ مَقْدُوراً لَا يَكُونُ مِنِّي ، وَهَذَا الْمَعْنَى مِمَّا يَتَيَقَّنُ الْمُؤْمِنُ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادَ الرَّبِّ وَأَنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَنْ إرَادَةِ مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَلِيقُ الْخِطَابُ بِمِثْلِهِ ، إذْ هُوَ مَعَ كَوْنِهِ شِبْهَ التَّكْرِيرِ ، وَإِيضَاحَ الْوَاضِحِ ، لَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ وَلَا ثَنَاءٌ ، وَلَا مَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُسْتَمِعُ ، فَعُلِمَ أَنَّ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ هُوَ أَمْرٌ مَقْدُورٌ لَكِنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ فِعْلِهِ ، مُقَدَّسٌ عَنْهُ .
يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ مَا قَالَهُ النَّاسُ فِي حُدُودِ الظُّلْمِ يَتَنَاوَلُ هَذَا دُونَ ذَلِكَ ، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ : الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، كَقَوْلِهِمْ : مَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ ، أَيْ : فَمَا وُضِعَ الشَّبَهُ غَيْرَ مَوْضِعِهِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَكَمٌ عَدْلٌ ، لَا يَضَعُ الْأَشْيَاءَ إلَّا مَوَاضِعَهَا ، وَوَضْعُهَا غَيْرَ مَوَاضِعِهَا لَيْسَ مُمْتَنِعاً لِذَاتِهِ ، بَلْ هُوَ مُمْكِنٌ ، لَكِنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُهُ ، بَلْ يَكْرَهُهُ وَيُبْغِضُهُ ؛ إذْ قَدْ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ

81

نام کتاب : الفتاوى الكبرى نویسنده : ابن تيمية    جلد : 1  صفحه : 81
   ««صفحه‌اول    «صفحه‌قبلی
   جلد :
صفحه‌بعدی»    صفحه‌آخر»»   
   ««اول    «قبلی
   جلد :
بعدی»    آخر»»   
فرمت PDF شناسنامه فهرست