فَمَا لَمْ يَجِدْ تَحْرِيمَهُ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ ، وَمَا لَمْ يُحَرَّمْ فَهُوَ حِلٌّ ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ : { إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ } الْآيَةَ .لِأَنَّ حَرْفَ " إنَّمَا " يُوجِبُ حَصْرَ الْأَوَّلِ فِي الثَّانِي ، فَيَجِبُ انْحِصَارُ الْمُحَرَّمَاتِ فِيمَا ذُكِرَ ، وَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْمُحِيطِ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ .الصِّنْفُ الثَّانِي : السُّنَّةُ ، وَاَلَّذِي حَضَرَنِي مِنْهَا حَدِيثَانِ : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : فِي الصَّحِيحَيْنِ : عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " { إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْماً : مَنْ يَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ } " .دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تُحَرَّمُ إلَّا بِتَحْرِيمٍ خَاصٍّ ، لِقَوْلِهِ " لَمْ يُحَرَّمْ " وَدَلَّ أَنَّ التَّحْرِيمَ قَدْ يَكُونُ لِأَجْلِ الْمَسْأَلَةِ ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهَا بِدُونِ ذَلِكَ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً وَهُوَ الْمَقْصُودُ .الثَّانِي : رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ : عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ ؟فَقَالَ : " { الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ } " .فَمِنْهُ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ أَفْتَى بِالْإِطْلَاقِ فِيهِ .الثَّانِي : قَوْلُهُ " { وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ } " نَصٌّ فِي أَنَّ مَا سَكَتَ عَنْهُ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ فِيهِ .وَتَسْمِيَتُهُ هَذَا عَفْواً كَأَنَّهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ التَّحْلِيلَ هُوَ الْإِذْنُ فِي التَّنَاوُلِ بِخِطَابٍ خَاصٍّ ، وَالتَّحْرِيمُ الْمَنْعُ مِنْ التَّنَاوُلِ كَذَلِكَ ، وَالسُّكُوتُ عَنْهُ لَمْ يُؤْذِنْ بِخِطَابٍ يَخُصُّهُ ،