وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ الْأُخْرَى وَهِيَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ { وَأَرْجُلِكُمْ } بِالْخَفْضِ فَهِيَ لَا تُخَالِفُ السُّنَّةَ الْمُتَوَاتِرَةَ ، إذْ الْقِرَاءَتَانِ كَالْآيَتَيْنِ ، وَالسُّنَّةُ الثَّابِتَةُ لَا تُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ ، بَلْ تُوَافِقُهُ وَتُصَدِّقُهُ ، وَلَكِنْ تُفَسِّرُهُ وَتُبَيِّنُهُ لِمَنْ قَصُرَ فَهْمُهُ عَنْ فَهْمِ الْقُرْآنِ ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ فِيهِ دَلَالَاتٌ خَفِيَّةٌ تَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ ، وَفِيهِ مَوَاضِعُ ذُكِرَتْ مُجْمَلَةً تُفَسِّرُهَا السُّنَّةُ وَتُبَيِّنُهَا .وَالْمَسْحُ اسْمُ جِنْسٍ يَدُلُّ عَلَى إلْصَاقِ الْمَمْسُوحِ بِهِ بِالْمَمْسُوحِ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى لَفْظِهِ وَجَرَيَانِهِ لَا بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ .قَالَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَغَيْرُهُ : الْعَرَبُ تَقُولُ : تَمَسَّحْت لِلصَّلَاةِ ، فَتُسَمِّي الْوُضُوءَ كُلَّهُ مَسْحاً ، وَلَكِنْ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ إذَا كَانَ الِاسْمُ عَامّاً تَحْتَهُ نَوْعَانِ ، خَصُّوا أَحَدَ نَوْعَيْهِ بِاسْمٍ خَاصٍّ ، وَأَبْقَوْا الِاسْمَ الْعَامَّ لِلنَّوْعِ الْآخَرِ ، كَمَا فِي لَفْظِ الدَّابَّةِ ، فَإِنَّهُ عَامٌّ لِلْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ مِنْ الدَّوَابِّ ، لَكِنْ لِلْإِنْسَانِ اسْمٌ يَخُصُّهُ ، فَصَارُوا يُطْلِقُونَهُ عَلَى غَيْرِهِ ، وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْحَيَوَانِ ، وَلَفْظُ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، يَتَنَاوَلُ لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ ، لَكِنْ لِلْوَارِثِ بِفَرْضٍ ، أَوْ تَعْصِيبٍ اسْمٌ يَخُصُّهُ .وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْمُؤْمِنِ ، يَتَنَاوَلُ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، وَمَنْ آمَنَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ، فَصَارَ لِهَذَا النَّوْعِ اسْمٌ يَخُصُّهُ وَهُوَ الْكَافِرُ ، وَأَبْقَى اسْمَ الْإِيمَانِ مُخْتَصّاً بِالْأَوَّلِ ، وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْبِشَارَةِ ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ .ثُمَّ إنَّهُ مَعَ الْقَرِينَةِ تَارَةً ، وَمَعَ الْإِطْلَاقِ أُخْرَى ، يُسْتَعْمَلُ اللَّفْظُ الْعَامُّ فِي مَعْنَيَيْنِ ، كَمَا إذَا أَوْصَى لِذَوِي رَحِمِهِ ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ أَقَارِبَهُ مِنْ مِثْلِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي آيَةِ الْوُضُوءِ : { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ } يَقْتَضِي إيجَابَ مُسَمَّى الْمَسْحِ بَيْنَهُمَا ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَسْحِ الْخَاصِّ الْخَالِي عَنْ الْإِسَالَةِ ، وَالْمَسْحُ الَّذِي مَعَهُ إسَالَةٌ يُسَمَّى مَسْحاً ، فَاقْتَضَتْ الْآيَةُ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِ الْآيَةِ مَا يَمْنَعُ كَوْنَ الرِّجْلِ يَكُونُ الْمَسْحُ بِهَا هُوَ الْمَسْحُ الَّذِي مَعَهُ إسَالَةٌ ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ { إلَى الْكَعْبَيْنِ } فَأَمَرَ بِمَسْحِهِمَا إلَى الْكَعْبَيْنِ .وَأَيْضاً فَإِنَّ الْمَسْحَ الْخَاصَّ هُوَ : إسَالَةُ الْمَاءِ مَعَ الْغَسْلِ ، فَهُمَا نَوْعَانِ : الْمَسْحُ