وَكَذَلِكَ أَمْرُهُ بِصَبِّ دَلْوٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ اخْتِلَاطِ الْمَاءِ بِالْبَوْلِ وَسَرَيَانِ ذَلِكَ ، لَكِنْ قَصَدَ بِهِ تَعْجِيلَ التَّطْهِيرِ ، لَا لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَزُولُ بِغَيْرِ ذَلِكَ بَلْ الشَّمْسُ وَالرِّيحُ ، وَالِاسْتِحَالَةُ تُزِيلُ النَّجَاسَةَ ، أَعْظَمُ مِنْ هَذَا ؛ وَلِهَذَا { كَانَتْ الْكِلَابُ تُقْبِلُ ، وَتُدْبِرُ ، وَتَبُولُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ } .وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوءاً كَامِلاً ، ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ ، جَازَ لَهُ الْمَسْحُ بِلَا نِزَاعٍ ، وَلَوْ غَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ ، ثُمَّ فَعَلَ بِالْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ فَفِيهِ قَوْلَانِ ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ : إحْدَاهُمَا : يَجُوزُ الْمَسْحُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .وَالثَّانِيَةُ : لَا يَجُوزُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .قَالَ هَؤُلَاءِ : لِأَنَّ الْوَاجِبَ ابْتِدَاءُ اللُّبْسِ عَلَى الطَّهَارَةِ ، فَلَوْ لَبِسَهُمَا وَتَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ فِيهِمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ ، حَتَّى يَخْلَعَ مَا لَبِسَ قَبْلَ تَمَامِ طُهْرِهِمَا ، فَيَلْبَسُهُ بَعْدَهُ .وَكَذَلِكَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ ؛ قَالُوا : يَخْلَعُ الرِّجْلَ الْأُولَى ، ثُمَّ يُدْخِلُهَا فِي الْخُفِّ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنِّي أَدْخَلْت الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ } .قَالُوا : وَهَذَا أَدْخَلَهُمَا وَلَيْسَتَا طَاهِرَتَيْنِ ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ بِلَا شَكٍّ ، وَإِذَا جَازَ الْمَسْحُ لِمَنْ تَوَضَّأَ خَارِجاً ، ثُمَّ لَبِسَهُمَا ، فَلَأَنْ يَجُوزَ لِمَنْ تَوَضَّأَ فِيهِمَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، فَإِنَّ هَذَا فَعَلَ الطَّهَارَةَ فِيهِمَا وَاسْتَدَامَهَا فِيهِمَا ، وَذَلِكَ فَعَلَ الطَّهَارَةَ خَارِجاً عَنْهُمَا ، وَإِدْخَالُ هَذَا قَدَمَيْهِ الْخُفَّ مَعَ الْحَدَثِ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ لَا يَنْفَعُهُ وَلَا يَضُرُّهُ ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالطَّهَارَةِ الْمَوْجُودَةِ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ كَمَسِّ الْمُصْحَفِ مَعَ الْحَدَثِ .