وَالْخَلْقُ وَالْجَبْلُ ، فَهَذَا يُعْرَفُ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا وَضَعْت هَذَا مَخَافَةَ أَنْ يَرْتَابَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَمَاعَةِ وَالتَّصْدِيقِ .فَهَذَانِ الْجَوَابَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا هَذَانِ الْإِمَامَانِ فِي عَصْرِ تَابِعِي التَّابِعِينَ مِنْ أَحْسَنِ الْأَجْوِبَةِ .أَمَّا الزُّبَيْدِيُّ فَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ صَاحِبُ الزُّهْرِيِّ ، فَإِنَّهُ قَالَ : أَمْرُ اللَّهِ أَعْظَمُ وَقُدْرَتُهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُجْبَرَ أَوْ يُعْضَلَ ، فَنَفَى الْجَبْرَ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجَبْرَ الْمَعْرُوفَ فِي اللُّغَةِ هُوَ : إلْزَامُ الْإِنْسَانِ بِخِلَافِ رِضَاهُ ، كَمَا تَقُولُ الْفُقَهَاءُ فِي بَابِ النِّكَاحِ : هَلْ تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى النِّكَاحِ أَوْ لَا تُجْبَرُ ؟وَإِذَا عَضَلَهَا الْوَلِيُّ مَاذَا تَصْنَعُ ، فَيَعْنُونَ بِجَبْرِهَا إنْكَاحَهَا بِدُونِ رِضَاهَا وَاخْتِيَارِهَا ، وَيَعْنُونَ بِعَضْلِهَا مَنْعَهَا مِمَّا تَرْضَاهُ وَتَخْتَارُهُ ، فَقَالَ : اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُجْبَرَ أَوْ يُعْضَلَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ الْعَبْدَ مُحِبّاً رَاضِياً لِمَا يَفْعَلُهُ ، وَمُبْغِضاً وَكَارِهاً لِمَا يَتْرُكُهُ ، كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ ، فَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ مَجْبُوراً عَلَى مَا يَخْتَارُهُ وَيَرْضَاهُ وَيُرِيدُهُ ، وَهِيَ أَفْعَالُهُ الِاخْتِيَارِيَّةُ ، وَلَا يَكُونُ مَعْضُولاً عَمَّا يَتْرُكُهُ فَيُبْغِضُهُ وَيَكْرَهُهُ وَلَا يُرِيدُهُ ، وَهِيَ تُرُوكُهُ الِاخْتِيَارِيَّةُ .وَأَمَّا الْأَوْزَاعِيُّ ، فَإِنَّهُ مَنَعَ مِنْ إطْلَاقِ هَذَا اللَّفْظِ ، وَإِنْ عَنَى بِهِ هَذَا الْمَعْنَى ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَيُفْضِي إلَى إطْلَاقِ لَفْظٍ مُبْتَدَعٍ ظَاهِرٍ فِي إرَادَةِ الْبَاطِلِ وَذَلِكَ لَا يُسَوَّغُ ، وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مَعْنًى صَحِيحٌ .قَالَ الْخَلَّالُ : أَنْبَأَنَا الْمَرْوَزِيِّ ، قَالَ : سَمِعْت بَعْضَ الْمَشْيَخَةِ يَقُولُ : سَمِعْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ : أَنْكَرَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ الْجَبْرَ وَقَالَ : اللَّهُ تَعَالَى جَبَلَ الْعِبَادَ .قَالَ الْمَرْوَزِيِّ : أَظُنُّهُ أَرَادَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ ، يَعْنِي : قَوْلُهُ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : { إنَّ فِيك لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمَ وَالْأَنَاةَ .فَقَالَ أَخُلُقَيْنِ تَخَلَّقْتُ بِهِمَا أَمْ خُلُقَيْنِ جُبِلْتُ عَلَيْهِمَا ، فَقَالَ : بَلْ خُلُقَيْنِ جُبِلْت عَلَيْهِمَا ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ تَعَالَى } .وَلِهَذَا احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى خَلْقِ الْأَفْعَالِ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ، إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً } فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ .