وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ } .فَفِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُك وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ } .أَمْرٌ بِالتَّسَبُّبِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَهُوَ الْحِرْصُ عَلَى الْمَنَافِعِ ، وَأَمَرَ مَعَ ذَلِكَ بِالتَّوَكُّلِ وَهُوَ الِاسْتِعَانَةُ بِاَللَّهِ ، فَمَنْ اكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا فَقَدْ عَصَى أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ ، وَنَهَى عَنْ الْعَجْزِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْكَيْسِ ، كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : { إنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ، وَلَكِنْ عَلَيْك بِالْكَيْسِ } .وَكَمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّامِيِّ : { الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ } .فَالْعَاجِزُ فِي الْحَدِيثِ مُقَابِلُ الْكَيِّسِ ، وَمَنْ قَالَ : الْعَاجِزُ الَّذِي هُوَ مُقَابِلُ الْبَرِّ ، فَقَدْ حَرَّفَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ .وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : { كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ } .وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ ، يَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ فَإِذَا قَدِمُوا سَأَلُوا النَّاسَ ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } .فَمَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ التَّزَوُّدِ فَاسْتَعَانَ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَأَحْسَنَ مِنْهُ إلَى مَنْ يَكُونُ مُحْتَاجاً ، كَانَ مُطِيعاً لِلَّهِ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ ، بِخِلَافِ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ مُلْتَفِتاً إلَى أَزْوَادِ الْحَجِيجِ كَلّاً عَلَى النَّاسِ ، وَإِنْ كَانَ مَعَ هَذَا قَلْبُهُ غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إلَى مُعِينٍ ، فَهُوَ مُلْتَفِتٌ إلَى الْجُمْلَةِ ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْمُتَزَوِّدُ غَيْرَ قَائِمٍ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَمُوَاسَاةِ الْمُحْتَاجِ ، فَقَدْ يَكُونُ فِي تَرْكِهِ لِمَا أُمِرَ بِهِ ، مِنْ جِنْسِ هَذَا التَّارِكِ لِلتَّزَوُّدِ الْمَأْمُورِ بِهِ .وَفِي هَذِهِ النُّصُوصِ بَيَانُ غَلَطِ طَوَائِفَ : فَطَائِفَةٌ تُضَعِّفُ أَمْرَ السَّبَبِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَتَعُدُّهُ نَقْصاً ، وَقَدْحاً فِي التَّوْحِيدِ وَالتَّوَكُّلِ ، وَأَنَّ تَرْكَهُ مِنْ كَمَالِ التَّوَكُّلِ وَالتَّوْحِيدِ ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ مَلْبُوسٌ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ يَقْتَرِنُ بِالْغَلَطِ اتِّبَاعُ الْهَوَى فِي إخْلَادِ النَّفْسِ إلَى الْبَطَالَةِ ، وَلِهَذَا تَجِدُ عَامَّةَ هَذَا الضَّرْبِ التَّارِكِينَ لِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ يَتَعَلَّقُونَ بِأَسْبَابٍ دُونَ