فمن رأى في ربّه الحلولا * حاول أمراً لم يكن معقولا
( * ) فإنّ المذهب المذكور أوضح فساداً وأقبح آثاراً من قول النصارى بالأقانيم الثلاثة ، فإنّ الجاهل الضالّ منهم وإن قال بحلوله تعالى لكن لا بأجساد الفسقة من سائر الناس ، بل قالوا به في جسد المسيح ( عليه السلام ) خاصّة ، وهو المطهّر من كلّ دنس وشين . ثمّ أيضاً لم يقولوا فيه ( عليه السلام ) بالعينية التامّة واتّحاده بربّه تعالى . وأمّا زنادقة الجمهور ، فقد بلغوا الغاية في الوقاحة ، وقالوا بحلوله تعالى - والعياذ بالله - في أجساد الفسقة الفجرة التاركين للفرائض الشرعية والواجبات الدينية ، المرتكبين للفواحش والمنكرات العقلية والمحرّمات الإلهية . ثمّ تعدّى بعض منهم عن ذلك ، وذهب إلى ما هو أعظم منه وأشنع وقال باتّحاده وعينيته تعالى مع أُولئك المردة الملعونة ، وقال قائلهم : أنا من أهوى ومن أهوى أنا * نحن روحان حللنا بدنا يعني به الوحدة مع الخالق سبحانه ، ونعوذ به تعالى من الكفر والضلال ! ثمّ ترى كثيراً من فرقهم الضاّلة المختلفة المتسمّين باسم الصوفية والنقشبندية وغيرهما يموّهون على أتباعهم العمياء بما أبدعوه من ظواهر أذكار مخترعة ومنكرات مبتدعة . يعلّقون المسابح الطويلة على الأعناق ، وكأنّها سلاسل الجحيم الآخذة بالخناق . ثمّ تراهم في الخدعة والتلبيس أدهى من إبليس ، يجلسون على سجادات مرقعات يشتغلون بأوراد خرافات ، يسمّونها أذكاراً وعبادات ، وكثيراً ما تكون عباداتهم الرقص والتصفيق والتغنّي بما يهيج الشبيق تشبّهاً بأهل الجاهلية الّذين أنزل الله تعالى فيهم : ( وما كان صلاتهم عند البيت إلاّ مكاء وتصدية ) [ 1 ] . ولا يزالون كذلك حتّى ترغو أفئدتهم وتحمرّ أو تسودّ وجوههم . وعندئذ تتهاجم عليهم مردتهم وأتباعهم الأنعام يمسحون من شفاههم تلك الرغوات المنتنة ، يلطّخون بها الوجوه واللحى من أنفسهم متبرّكين بها يزعمون فيهم الوصول إلى الله تعالى ، أو حلوله فيهم ، أو اتّحاده بهم ، وبذلك يحكمون بسقوط الوظائف الشرعية عنهم ، وإباحة المحرّمات لهم . وفيهم يقول العارف البصري : ومنهم أخو الطامات جلف تصوّف * ينمّس تنميساً بصمت وخلوة إلى قوله : أراذل خدّاعون زرقاً بخرقة * وسجّادة مرقوعة وبسبحة وهيهات ثمّ هيهات لو كان الربّ تعالى يعقل فيه الحلول في أحد من عبيده ، وكان من آثار ذلك سقوط الصلاة والصوم عمّن حلّ فيه أو إباحة المحرّمات الشرعية بأجمعها له ، لكان النبيّ الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو الطاهر المطهّر أولى بحلوله تعالى فيه ، حيث إنّه أقرب الكائنات إليه سبحانه ، وأعزّ الخلائق عليه ، وأحبّهم لديه كما قال تعالى : ( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أوّل العابدين ) [ 2 ] وأنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من قد علم حاله وشدّة حرصه على الالتزام بالواجبات ، وإكثاره من الصوم والصلوات المفروضات والمسنونات ، واحتماله المشاقّ في العبادات ، وتهجّده في الليالي المظلمات ، حتّى ورمت قدماه المباركتان ، ونهاه ربّه تعالى عن ذلك نهي حنان وشفقة ورأفة ورحمة بقوله عزّ من قائل : ( طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ) [ 3 ] أي لتحتمل المشقّة ( يا أيّها المزّمّل * قم الليل إلاّ قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا ) [ 4 ] وأمثال ذلك . ثمّ كان آخر وصاياه بل آخر وصايا سائر الأنبياء والأولياء ( عليهم السلام ) أيضاً هو الصلاة ، ولا شكّ أنّها عمود الدين وقربان كلّ تقي ، وهي الفارقة بين الكافر والمسلم . ( 1 ) المجادلة : 7 . ( 2 ) الأنعام : 3 . ( 3 ) سبأ : 3 . ( 4 ) البروج : 20 . [ 1 ] الأنفال : 35 . [ 2 ] الزخرف : 81 . . [ 3 ] طه : 2 . [ 4 ] المزّمّل : 1 - 3 .