- وفي المجلد الرابع عشر من بحار الأنوار ( 1 ) من المكارم قال : لقد جاء النبي ( صلى الله عليه وآله ) ابن خولة بإناء فيه عسل ولبن ، فأبى أن يشربه فقال ( صلى الله عليه وآله ) : شربتان في شربة ، إناءان في إناء واحد فأبى أن يشربه ، ثم قال ( صلى الله عليه وآله ) ما أحرمه ! ولكني أكره الفخر والحساب بفضول الدنيا غدا ، وأحب التواضع فإن من تواضع لله رفعه الله . - وفيه ( 2 ) : من كتاب الزهد بإسناده الصحيح ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : أفطر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عشية الخميس في مسجد قبا ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) : هل من شراب ؟ فأتاه أوس بن خولة بعس من لبن مخيض بعسل ، فلما وضعه على فيه ، نحاه ثم قال : شرابان يكتفى بأحدهما عن صاحبه ، لا أشربه ، ولا أحرمه ، ولكني أتواضع لله فإن من تواضع لله رفعه الله ، ومن تكبر خفضه الله ، ومن اقتصد في معيشته رزقه الله ومن بذر حرمه الله ، ومن أكثر ذكر الله أحبه الله . المقام الثاني : في بيان معنى التواضع إعلم أن التواضع والتكبر من الكيفيات النفسانية ، التي تظهر من كل منهما آثار كثيرة . والأول : أن يكون الشخص عند نفسه حقيرا بالنسبة إلى الغير . والثاني : أن يكون عند نفسه عظيما بالنسبة إلى الغير ، ويكون غيره في نظره حقيرا بالنسبة إلى نفسه ، وبهذا القيد يفرق بينه وبين العجب ، فإن المراد منه أن يكون الشخص حسنا في نظره من حيث الجمال ، أو الكمال ، أو الأعمال ، أو النسب أو جميعها ، مع قطع النظر عن الغير . والتكبر : أن يرى ذلك بالنسبة إلى الغير ، فيكون غيره حقيرا في نظره ، وإنما ينشأ الكبر من جهل الشخص بمساوئ نفسه ومحاسن غيره أو الغفلة عنها . وكما يطلق التكبر على تلك الصفة النفسانية كذلك يطلق على آثارها الناشئة عنها ، والأفعال الخارجية المنبعثة منها كالمشي مرحا ، وجر الثوب على الأرض ، وترك رد السلام ، ونحوها وكذلك التواضع قد يطلق على الصفة النفسانية التي هي ضد التكبر ، وقد يطلق على آثارها الناشئة عنها كإجلال المشايخ ، والجلوس مع المساكين وإجابة دعوتهم والابتداء بالسلام ونحوها .